وهذا شأن المنافقين في كل زمان؛ فعندما تخفق جهودهم في الوقوف في وجه أهل الخير والصلاح، وعندما ينشط الدعاة ويظهر أثرهم في الأمة؛ فإنَّ المنافقين يلجئون إلى وسيلةٍ ماكرةٍ وفتنةٍ شديدة ألا وهي التظاهر بالحماس للدعوة والدخول في أوساط الدعاة، مظهرين التنسك والغيرة على الدين، والحرص على العلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى ينخدع بكلامهم المعسول بعض الطيبين من الدعاة، فتحصل الثقة بهم، حتى إذا تمكنوا من مراكز التوجيهِ والدعوة، بدءوا فتنتهم الكبرى على الدعوة وأهلها؛ مع استمرارهم في إظهار الخير والحماس لهذا الدين، وتسويغ ما يقومون به من الممارسات بالحرص على مصلحة الدعوة وتميزها وصلابتها.
ومن أخطر صور الفتن التي تنشأ من هذا الصنيع ما يلي:
أ- فتنة التفريق وإثارة العداوات بين دعاة الإسلام:
وهذه من أعظم فتن المنافقين داخل الصف الإسلامي، وفي أوساط الدعوة إلى الله - عز وجل -، وقد فضح الله- عز وجل - المنافقين الذين بنوا مسجد الضرار، وأظهر أهدافهم الخبيثة بقوله سبحانه: (( وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادَاً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ ) ) (التوبة: 107) قال المفسرون لهذه الآية: (أنهم كانوا جميعاً يصلون في مسجد قباء؛ فبنوا مسجد الضرار ليصلي فيه بعضهم، فيؤدي ذلك إلى الخلاف وافتراق الكلمة) [3] .ا. هـ.