«انظر إلى بركة الصدق والطاعة وحسن النية، كيف هدى الله زاذان بعبد الله بن مسعود لما كان صادقاً حسن السيرة، فلا يصلح بك الفاسد حتى تكون صالحاً في ذات نفسك، خائفاً لربك إذا خلوت، مخلصاً له إذا خالطت غير مراء للخلق في حركاتك وسكناتك، موحداً لله عز وجل في ذلك كله وحين يزاد في توفيقك وتسديدك، وتحفظ عن الهوى والإغواء من شياطين الجن والإنس والمنكرات كلها والفساق والبدع والضلالات أجمع، فسيزال بك المنكر من غير تكليف، ومن غير أن يصير المعروف منكراً، كما هو في زماننا، ينكر أحدهم منكراً واحداً، فيتفرع منه منكرات جمة، وفساد عظيم .. » . (5)
وأمر آخر نستفيده من هذه القصة، وهو أن ابن مسعود رضي الله عنه سلك أُولى الوسائل الشرعية في تغيير المنكر، فلما كان قادراً على تغيير المنكر بيده، أزاله بيده فكسر الطنبور، وأتلف وعاء النبيذ.
لقد ضرب ابن مسعود رضي الله عنه مثالاً رائعاً في الشجاعة والإقدام على الصدع بالحق، وتغيير المنكر، لا يخاف في الله لومة لائم، مع كونه وحيداً، وهم جماعة كما هو ظاهر سياق القصة، إضافة إلى قصره ونحافته رضي الله عنه.
لكن لما كان ابن مسعود معظماً لحرمات الله تعالى وشعائره أورثه ذلك مهابةً وإجلالاً .. وصدق عامر بن عبد القيس رحمه الله حيث يقول: «من خاف الله أخاف الله منه كل شيء، ومن لم يخف الله، أخافه الله من كل شيء» . (6)
ومع هذا التغيير باليد، فإننا ندرك مدى شفقة ابن مسعود رضي الله عنه وكمال رفقه، وتمام نصحه لزاذان، فإن زاذان لما أقبل تائباً، أقبل عليه ابن مسعود رضي الله عنه وعانقه وبكى فرحاً بتوبة زاذان، وحياه بأجمل عبارة مرحباً بمن أحبه الله، كما قال سبحانه: (( إن الله يحبَ التوابين ويحبَ المتطهرين ) ) (7) ، ليس هذا فحسب بل أجلسه وأدناه، وأعطاه تمراً.
وهكذا كان أهل السنة يعلمون الحق ويدعون إليه، ويرحمون الخلق وينصحون لهم.