«كان الحسن البصري يجلس في مجلسه الذي يذكر فيه كل يوم، وكان حبيب العجمي رحمه الله يجلس في مجلسه الذي يأتيه أهل الدنيا والتجارة وهو غافل عما فيه الحسن لا يلتفت إلى شيء من مقالته، إلى أن التفت يوماً فسأل عما يقوله الحسن البصري، فقيل له: يذكر الجنة، ويذكر النار، ويرغب في الآخرة، ويزهد في الدنيا، فوقر ذلك في قلبه، فقال: اذهبوا بنا إليه فأتاه، فقال جلساء الحسن يا أبا سعيد هذا حبيب قد أقبل إليك فعظه، وأقبل عليه فأقبل عليه الحسن فذكّره الجنة وخوّفه النار، ورغّبه في الخير، وزهده في الدنيا فتأثر حبيب بتلك الموعظة، وتصدق بأربعين ألفا، وقنع باليسير، وعَبَدَ الله حتى أتاه اليقين» . (10)
أخي القارئ: لعلك تلحظ صدق الحسن البصري رحمه الله في دعوته، وسلامة قصده، حتى أثرت موعظته في قلب حبيب العجمي، فنقلته تلك الموعظة الصادقة من ضجيج الأسواق، وصخب التجارة إلى أن صار عابداً زاهداً، ذا دعاء مستجاب، وكرامات مأثورة كما صار صاحب بذل وإنفاق في سبيل الله تعالى.
وما أروع مقالة مالك بن دينار في هذا المقام:
«الصدق يبدو في القلب ضعيفاً، فيتفقده صاحبه، ويزيده الله تعالى حتى يجعله الله بركة على نفسه، ويكون كلامه دواءً للخاطئين» .
ثم قال مالك: «أما رأيتموهم؟ ثم يرجع إلى نفسه فيقول: بلى والله لقد رأيناهم: الحسن البصري، وسعيد بن جبير وأشباههم، الرجل منهم يحيى الله بكلامه الفِئام [الجماعات] من الناس» . (11)
ولما سمع زين العابدين علي بن الحسين موعظة للحسن، قال: «سبحان الله هذا كلام صدّيق» . (12)
ولقد سئل أحد العلماء: «ما بال كلام السلف أنفع من كلامنا؟ «فقال:» لأنهم تكلموا لعز الإسلام، ونجاة النفوس، ورضا الرحمن، ونحن نتكلم لعز النفوس وطلباً للدنيا ورضا الخلق». (13)