وصدق الحسن، فغالب الكبائر نابعة من حب الدنيا: فالسرقة، والزنا والحسد، والكذب، والكبر، والرياء وغيرها من أجل حب الدنيا، والتكالب عليها بل إن الله تعالى قد أخبر في كتابه العزيز أن الكفر واستحقاق العذاب بسبب حب الدنيا وإيثارها على الآخرة، فقال تعالى: (( من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذابِ عظيم ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة ) ) (20)
وهنا ملاحظة أخيرة: أن بعض التائبين يعتزلون الحياة من أجل العبادة وهذا فيه نظر، إذ لا يصح أن كل تائب لابد أن يكون على ذلك المنوال: منقطعاً وزاهداً عن الأخذ بأسباب الحياة المباحة، فتلك رهبانية حُذرنا منها. وصدق الله العظيم القائل: (( وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا ) ) (21) .
فإن من مميزات ديننا الحنيف الوسطية: (( وكذلك جعلناكم أمةْ وسطْا ) ) (22) لا رهبانية ولا مادية وإنما يكون المسلم عابداً لله، ساع في الأرض عاملاً أي عمل مناسب يكفي نفسه حاجاتها، ولا يكون عالة على غيره، ولم يعرف الانقطاع للعبادة إلا بعد القرون الفاضلة، يوم جاءت الصوفية وطقوسها المبتدعة، ومعلوم موقف الرسول -صلى الله عليه وسلم- من الثلاثة الذين سألوا عن عبادته في الصلاة والصيام والزواج فلما أخبروا بها كأنهم تقالوها فعزموا على خلافها فقال لهم عليه الصلاة والسلام: «أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي، فليس مني» . (23)