ولذا فمن الخير أن يتروّى الإنسان ويتأنى ويتثبت قبل أن يتصرف بناء على مفهومات غير موثقة لديه أو معلومات ناقصة أو أقوال قد يتبين له فيما بعد أن هناك ما هو أرجح منها أو يساويها قوة، أو أن تطبيقها يرتبط بقاعدة المصالح والمفاسد، وليدع أمام نفسه مساحة لاحتمال صحة الاجتهادات والأقوال الأخرى حتى يهديه الله تعالى إلى الحق، وهذا خير من تبني رأي واحد والتعصب له بصورة قبيحة مذمومة، تتجاوز حدود الشرع، ليكتشف في النهاية أنه تعصب لرأي خطأ، ارتكب من أجله أخطاء في معاملة المسلمين قد تصل إلى حد فتنتهم وإيقاع الفرقة بينهم، أو ظلمهم وسفك دمائهم، لا سيما وأن خروج المرء من تعصب مذموم وقع فيه ليس يسيراً على النفس، لأن الاعتراف بالجهل والرجوع عن الخطأ لا يقدر عليه إلا ذوو المروءة والشجاعة والصدق.
وحتى لا يقع أحدنا فريسة للتعصب المذموم فيما لا يعلمه أو لا يتقنه فليأخذ من الدواء الذي وصفه الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وهو سؤال أهل العلم أو ذوي التخصص أو أصحاب الخبرة، قال - عليه الصلاة والسلام:"إنما شفاء العي السؤال" (1) ، قال ابن الأثير:"العيّ: الجهل" (2) .
والهوى له دور كبير في تكوين صفة التعصب المذموم، فقد يعلم بعض المتعصبين تعصباً مذموماً في نفسه أنه على باطل وأن الآخرين على حق، لكنه يصر على رأيه الخطأ لأنه يتوافق مع ميوله، ولا يلقي بالاً للنصح أو الوعظ.
والتأثر بالأشخاص والإعجاب بهم سبب آخر من أسباب التعصب الذميم، لا سيما مع الجهل، حيث ينزوي العقل جانباً ليفسح المجال للعاطفة العمياء، ويتبنى الشخص المتعصب أقوال مَن يُعجب بهم مهما تبين له الحق في غيرها.