ويعود فيؤكد على أن الرفض - في أحيان ليست قليلة -قد يكون مرده نفسيا ً (سيكولوجيا) وليس استدلالا شرعياً مؤصّلاً بنصوص الوحي ومقاصد الشرع، والنفوس تحتاج إلى أن تُرَاض للانقياد لمدلولات النصوص، ولو خالف ذلك رأيها المسبق، واجتهادها حيناً من الدهر.
وردًّا على الذين يقولون: إن هذه القنوات تستغل العلماء والدعاة وتحقق من خلالهم انتشارًا وشهرة ونفوذًا، يقول الدكتور الطريري: وهم أيضا - أي العلماء والدعاة - يستغلونها ويصلون من خلالها إلى قطاعات وشرائح اجتماعية لم يتم التواصل معها بعد، فكم رأينا الأثر الخيَر لمشاركة بعض الأفاضل، وتحقق - من خلال ذلك - وصول الكلمة الطيبة الهادية إلى من لم يتعود سماعها ولم يناد بها يوماً من الدهر.
أسواق الجاهلية!
وما إن ينتهي الدكتور الطريري من عرض وجهة نظره - الداعية لاستغلال القنوات الفضائية من قبل طلبة العلم للوصول إلى الناس وإيصال الحق لهم- حتى يعرض بعض الأدلة التي تؤيد ما ذهب إليه، فيذكر ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح (16020 - 16027) عن ربيعة بن عباد الديلي قال:"رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ببصر عيني بسوق ذي المجاز يقول:"يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا"ويدخل فجاجها، والناس متقصفون عليه، فما رأيت أحداً يقول شيئاً، وهو لا يسكت، يقول:"أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا"... الحديث."
ويقول معقبًا على ذلك: فها هو النبي - صلى الله عليه وسلم - يغشى أسواق الجاهلية التي كانت فيها الأصنام، وزقاق الخمور، وكان فيها الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب والاستقسام بالأزلام. ولم يجعل له - صلى الله عليه وسلم - سوقاً خاصاً ليأتيه الناس فيه، ولكن أتاهم حيث هم ودعاهم -صلى الله عليه وسلم-.