إنّ هذه الآية توبيخ للعلماء في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي تدلّ على أنّ تارك النهي عن المنكر بمنزلة مرتكبه. قال الطبري في تفسيره:"أما قوله (لبئس ما كانوا يصنعون) وهذا قسم من الله أقسم به، يقول - تعالى -ذكره: أقسم لبئس الصنيع كان يصنع هؤلاء الربانيون والأحبار في تركهم نهي الذين يسارعون منهم في الإثم والعدوان وأكل السحت عما كانوا يفعلون من ذلك. وكان العلماء يقولون: ما في القرآن آية أشد توبيخا للعلماء من هذه الآية ولا أخوف عليهم منها."
الآية الثالثة، قوله - تعالى: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَ ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وكَانُوا يَعْتَدُونَ. كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) . (المائدة78/ 79)
ففي هذه الآية يعلّل الله - سبحانه وتعالى - استحقاق بني إسرائيل اللعنة بتركهم النهي عن المنكر، فلو لم يكن النهي عن المنكر واجباً لما استحقوا اللعنة بتركهم إيّاه، لأنّ اللعنة أشدّ ما يعبّر به اللَّه - تعالى -عن غضبه تختص بترك الواجبات وفعل المحرّمات، لا بترك المندوبات وفعل المكروهات. قال الشوكاني:"والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم القواعد الإسلامية وأجل الفرائض الشرعية، ولهذا كان تاركه شريكا لفاعل المعصية ومستحقا لغضب الله وانتقامه كما وقع لأهل السبت. فإنّ الله - سبحانه - مسخ من لم يشاركهم في الفعل ولكن ترك الإنكار عليهم، كما مسخ المعتدين فصاروا جميعا قردة وخنازير ... ثمّ إنّ الله - سبحانه - قال مقبحا لعدم التناهي عن المنكر (لبئس ما كانوا يفعلون) أي من تركهم لإنكار ما يجب عليهم إنكاره." (6)