وقد أكّد هذه الرواية ابن رشيق القيرواني، فذكر أن عائشة -رضي الله عنها - كانت كثيرة الرواية للشعر، ويُقال كانت تروي جميع شعر لبيد. وقال لبيد لمّا بلغ سبعاً وسبعين سنة:
باتت تشكي إليَّ النفسُ مُجهَدة *** وقد حملتكَ سبعاً بعد سبعينَا
فإن تُزادي ثلاثاً تبلُغي أملاً *** وفي الثلاث وفاء للثمانينَا
وعندما بلغ التّسعين قال كلاماً، وعندما بلغ المائة وعشرة، والمائة والعشرين؛ كلّ هذا نجد أنه مدخل إلى القول بأنّ الشّعر في الإسلام قويَ، وأنّ الشِّعر في رحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن مرفوضاً؛ بل الشعراء افتخروا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يرفض النبي ذلك. فمن هذا الفخر نجد عمّه أبا طالب ولم يكن مشهوراً بالشِّعر، ولكنه قال فخراً، قال شعراً في الفخر بالنبي - صلى الله عليه وسلم:
إذا اجتمعت يوماً قريش لمفخرٍ *** فعبد مناف سرّها وصميمُها
وإن حصلت أشراف عبد منافِها *** ففي هاشم أشرافُها وقديمُها
وإن فخرت يوماً فإن محمداً هو *** المصطفى مِن سرِّها وكريمِها
هذا الكلام من أبي طالب، رغم أنه لم يتبع الإسلام، ولكنه كان يحبّ محمداً لأنه ابن أخيه، وكان يدافع عنه، وكان يحميه من أعدائه، وتوعّدَ قريشاً أنه لن يُسلم محمداً إليهم عندما كانوا يساومونه على أن يأخذوا محمداً ويُعطوه فتىً بدلاً منه ...
هذا الفخر، رأينا أيضاً حسَّان بن ثابت يفتخر بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في كثير من أشعاره، وديوانه مليء لأنه كان شاعر المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، فيقول وهو يتحدّى أبا سفيان بن الحارث الذي هجا رسول الله، يقول حسَّان بن ثابت في أبيات مشهورة:
هجوتَ محمداً فأجبتُ *** عنه وعند الله في ذاك الجزاءُ
فإن أبي ووالدَه وعِرضي *** لعِرض محمدٍ منكم وقاءُ
أتهجوه ولست له بكُفْؤ *** فشرُّكما لخيرِكما الفداءُ