ج - ومن مقتضيات البلاغ المبين البلاغة: وتتضح البلاغة المقصودة في قوله تعالى: {وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً} (النساء: من الآية63) ويقصد بها أن يكون الكلام حسن المعاني واضح في ألفاظه مع تجنب وحشي الكلام وغريبه, ولا يقصد بالبلاغة التكلف والتشدق والتفيهق، فهذا مخالف لمنهج السلف الصالح- رضوان الله عليهم- فقد (مرّ السلف الصالح في بث الشريعة للمؤالف والمخالف، ومن نظر في استدلالهم على إثبات الأحكام التكلفية علم أنهم قصدوا أيسر الطرق وأقربها إلى عقول الطالبين، لكن من غير ترتيب متكلف، ولا نظم مؤلف، بل كانوا يلقون الكلام على عواهنه ولا يبالغون كيف في ترتيبه إذا كان قريب المأخذ سهل الملتمس) (7) .
د - ومن فقه البلاغ المبين كراهة الخوض فيما لا ينبني عليه عمل:
يقول الإمام الشاطبي - رحمه الله - تعالى:"كل مسألة لا ينبني عليها عمل، فالخوض فيها خوض فيما لم يدل على استحسانه دليل شرعي، وأعني بالعمل عمل القلب وعمل الجوارح من حيث هو مطلوب شرعاً، و الدليل على ذلك: استقراء الشريعة فإنّا رأينا الشارع يعرض عمّا لا يفيد عملاً مكلفا به، ففي القرآن الكريم"يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج"فوقع الجواب بما يتعلق به العمل، ومن هنا نهى - صلى الله عليه وسلم - عن قيل وقال وكثرة السؤال) البخاري."
لأنة مظنة السؤال عما لا يفيد، وقد كان مالك بن أنس يكره الكلام فيما ليس تحته عمل. (8)
ويترتب على ذلك:
أن العلم الشرعي وسيلة إلى عبادة الله و (ذلك أن روح العلم هو العمل و إلا فالعلم عارية وغير منتفع به، قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} (فاطر: من الآية28) قال سفيان الثوري:"إنما يتعلم العلم ليتقي به الله وإنما فضل العلم على غيره؛ لأنة يتقي اللّه به" (9) .
وكل ذلك يحقق أن العلم وسيلة منا لوسائل ليس مقصوداً لنفسه من حيث النظر الشرعي، وإنما هو وسيلة إلى العمل.