فهرس الكتاب
فهذا فاروق الأمة - رضي الله عنه - لما أحس بالرحيل وقرب الأجل، وتخوف أن يختلف الناس من بعده، في أمر الخلافة، وفي شأن الكلالة، آثر أن يجعلهما حديث خطبة من أواخر خطبه، لمناسبتهما للحال، ولكثرة الاختلاف فيهما، فقال - رضي الله عنه - في مستهل خطبته: «إني رأيت كأن ديكاً نقرني ثلاث نقرات، وإني لا أراه إلا حضور أجلي، وإن أقواماً يأمرونني أن أستخلف، وإن الله لم يكن ليضيع دينه ولا خلافته، ولا الذي بعث به نبيه - صلى الله عليه وسلم -؛ فإن عجل بي أمرٌ فالخلافة شورى بين هؤلاء الستة الذين توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو عنهم راضٍ، وإني قد علمت أن أقواماً يطعنون في هذا الأمر، أنا ضربتهم بيدي هذه على الإسلام؛ فإن فعلوا ذلك فأولئك أعداء الله الكفرة الضلال. ثم إني لا أدع بعدي شيئاً أهم عندي من الكلالة، ما راجعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شيء ما راجعته في الكلالة، وما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيه، حتى طعن بأصبعه في صدري، فقال: يا عمر! ألا تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء، وإني إن أعش أقض فيها بقضية يقضي بها من يقرأ القرآن ومن لا يقرأ القرآن ... ، ثم ثلَّث - رضي الله عنه - بعد ذلك بالتنبيه على مخالفة ذاعت في أيامه تلك، وتوارد بعض الناس عليها، فبين أن واقع هذه القضية مخالف لهدي الرسول - صلى الله عليه وسلم - حيث يقول: «إنكم أيها الناس! تأكلون شجرتين لا أراهما إلا خبيثتين، هذا البصل والثوم» لقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا وجد ريحهما من الرجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع، فمن أكلهم فليمتهما طبخاً» (3) وهذه الموضوعات الثلاث التي اختارها - رضي الله عنه - لخطبته دليل جلي على اهمية مراعاة مقتضى الحال في خطب الجمعة، وأنها ليست على رتابة دائمة.