قرون طويلة مرّت على المسلمين وهم في غفوة ساهون لا يدرون ما يجري حولهم ولا أمامهم ولا خلفهم. لم يعد الواقع الذي يعيشونه مصدر تدبّر ودراسة ليقدّم الموعظة الجليّة والآية البيّنة، حتى تزداد القلوب إيماناً ويقيناً، وتزيد إخباتاً لربّها وخشوعاً. لقد أغمض المسلمون عيونهم عن الواقع حتى وجدوا أنفسهم في لهيب الفتنة، استزلهم إليها شياطين الإنس والجنّ. فما عادوا يعرفون العدوّ من الصديق، والغادر من الأمين.
ولقد كان جهلهم بالواقع سبباً من أسباب أخطاء متراكمة في ممارسة دينهم وإيمانهم. يخالفون الدين ويحسبون أنهم على صراط مستقيم. يُستدرجون إلى الضلالة وهم ساهون. وينسلّ الأعداء بينهم ينشرون الفتنة والفرقة والشحناء والبغضاء، فيتهافتون فيها كتهافت الفراش في النار.
إذا استعرضنا تاريخنا لقرون خلت نجد هذه الظاهرة جليّة، ونجد أخطارها بارزة واضحة. فلقد كان من أوضح نتائج جهلنا بالواقع أن طعنّا أنفسنا، وأسهمنا بأيدينا في كثير من نكباتنا. ألم يُسهم بعض المسلمين في إسقاط الخلافة؟! ألم يرفع بعض المسلمين شعارات مناهضة للإسلام؟! ألم يفتح بعض المسلمين صدروهم وقلوبهم لأعداء الإسلام؟!
وفي واقع العمل الإسلامي اختلطت الأمور كثيراً. ولعب الجهل بالواقع دوراً واسعاً فيما حلّ فيه من نكبات. واندسَّ المنافقون والأعداء واتتهم الفرصة فأحكموا الضربة وسدّدوا الطعنة وعلّقوا المشانق، ذلك كلّه من خلال غفوة وجهل واضطراب. أسباب كثيرة وليس سبباً واحداً، كانت وراء عدد من النكبات والمصائب. ولكنّ جهل الواقع كان أحد الأسباب الهامة.