أخرج الشيخان [6] عن حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - أنه قال: كان الناس يسألون رسول الله- صلى الله عليه وسلم - عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله! إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟.قال: نعم. قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟.قال: نعم وفيه دخن. قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر. قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟. قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها. قلت: يا رسول الله صفهم لنا. قال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا. قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟. قال: تلزم جماعة المسلمين، وإمامهم. قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟! قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك) [7] .
إنها الفتن - إذن!! - تتوالى على الأمة ودينها لتنال من البقية الباقية من أهل القبلة، وكلما اشتدت الفتن ازدادت معالم الغربة إتضاحاً، كان على المؤمنين بدين الله ووعده الصبر والثبات حتى يأتي نصر وإن نصر الله قريب.
(أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَاتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَاسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) (البقرة: 214) .
روى مسلم والترمذي وغير واحد ممن صحب النبي - صلى الله عليه وسلم - قوله - عليه الصلاة والسلام: (إن الإسلام بدأ غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء. قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس) [8] .