وهذه الغربة المذهلة متمثلة بالبدع والمبتدعة التي بدأت خيوطها بعد عصر صدر الإسلام مباشرة، ولا زالت تترابط وتتشابك حتى اختلت خطواتنا وزاغت أبصارنا وتلعثمت ألسنتنا، فنسينا لغتنا، وأهملنا قرآننا وسنة نبينا، فركضنا مع الركضين، وزحفنا خلف الزاحفين، فغلبنا مع المغلوبين.
تاهوا فتهنا، ضاعوا فضعنا شلت أطرافنا، ونشفت أقلامنا، وتعفنت جروحنا، خططوا فنفذنا، ابتدعوا فاعتقدنا، قالوا فسمعنا وحفظنا وما بقي صفة من أوصاف المهزومين إلا ونسبت إلينا.
و لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ...
روى البخاري في كتاب الصلاة عن أم الدرداء قالت: دخل عليّ أبو الدرداء مغضباً، فقلت له: مالك؟ فقال: (و الله ما أعرف فيهم شيئاً من أمر محمد - صلى الله عليه وسلم -، إلا أنهم يصلون جميعاً) . وسأله رجل، فقال: رحمك الله لو أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أظهرنا هل كان ينكر شيئاً مما نحن فيه؟ فغضب، واشتد غضبه، ثم قال: (و هل كان يعرف شيئاً مما أنتم عليه) [9] .
هذا قول من صحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، في حال قوم أقلهم من رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فماذا يقول لو أدرك زمناً خمدت فيه شعلة الاتباع، وراجت فيه سلعة الابتداع، والأهواء بعد طول كساد؟!
لقد تأمل خاتمة الحفاظ ابن حجر العسقلاني - رحمه الله - هذا الحديث في الفتح، فكان من فتوحه قوله: وكأن ذلك صدر من أبي الدرداء في أواخر عمره، وكان ذلك في أواخر خلافة عثمان، فياليت شعري، إذا كان ذلك العصر الفاضل بالصفة المذكورة عند أبي الدرداء، فكيف بمن جاء بعدهم من الطبقات، إلى هذا الزمان؟) [10] .
و قد كان صحب النبي - صلى الله عليه وسلم - يبكون حنيناً إلى السنة، وهي فيهم أعز ما تكون، وخوفاً من البدعة، وهي عنهم أبعد ما تكون ...
قال الزهري كما في الصحيح: دخلت على أنس بدمشق وهو يبكي، فقلت له: ما يبكيك؟