لقد قامت هذه القوى أساساً على استغلال الغير، ولذا فلا توجد حدود أو اعتبارات تردعها عن هذا الاستغلال، وهذه القوى لا تعرف إلا شيئاً واحداً اسمه (المصالح) ، وهي من أجل ضمان هذه المصالح لا تتورع عن ارتكاب أشنع الجرائم التي تؤثمها أية معايير أخلاقية، ذلك أن السياسة الغربية فصلت منذ قرون فصلاً تاماً وكاملاً ونهائياً بين الأخلاق من أي نوع وبين المصلحة سواء كانت مصلحة قومية أو فردية، وذلك منذ أن دانت بدين المذهب الطبيعي الذي يقول: بالبقاء للأصلح الذي هو الأقوى، وليس الأحسن خلقاً، والذي يؤمن أصحابه إيماناً مطلقاً بحق القوي في استغلال الضعيف وتسخيره، بل فرقوا بين نوعين من الأخلاق: أخلاق القوة التي ترى الرحمة والشفقة والإحسان والتسامح عجزاً وضعفاً؛ وأخلاق الضعف التي ترى الرحمة والشفقة والإحسان والتسامح ديناً وتقوى؛ وهم يعدون الأولى هي الأخلاق التي تليق بالسادة المؤهلين تأهيلاً طبيعياً للسيادة والسيطرة، ويعدون الثانية هي أخلاق العبيد المؤهلين أيضاً تأهيلاً طبيعياً للخضوع والذل والمسكنة، وقد ساد هذا المذهب في الغرب والشرق، فظهر في فرنسا في صورة الوضعية التي أسسها (أوجست كونت) وفي إنجلترا في صورة المذهب الحسي عند (بنتام) وفي صورة الفلسفة التطورية عند (دارون) و (هربرت سبنسرا) ، بل إن هربرت سبنسر صرح بأن من حق الشعوب القوية استعمار الشعوب الضعيفة، وفي ألمانيا في فلسفة القوة عند نيتشه والذي مجد الشراسة والافتراس كخلق إنساني للأقوياء، وأفرز النازية في ألمانيا والفاشية في إيطاليا، وفي إيطاليا سبق (ميكافيللي) إلى تقرير المذهب الذي يعرف باسمه اليوم ويدين به الساسة في كل بلد، والذي يقول بأنه لا أخلاق في السياسة، وفي أمريكا ظهر في صورة المذهب النفعي (البراجماتى) الذي أسسه وليم جيمس، وفي روسيا في صورة الشيوعية ..