فجعلت من المستعد للقائهم قطع الكَاغَد (8) وبري الأقلام، وحزم الدفاتر، فإن هذه الأشياء لا بد منها، ولا تحتاج إلى فكر وحضور قلب، فأرصدتها لأوقات زيارتهم لئلا يضيع شيء من وقتي، نسأل الله - عز وجل - أن يعرفنا شرف أوقات العمر، وأن يوفقنا لاغتنامه، ولقد شاهدت خلقا كثيرا لا يعرفون معنى الحياة، فمنهم من أغناه الله عن التكسب بكثرة ماله فهو يقعد في السوق أكثر النهار ينظر إلى الناس، وكم تمر به من آفة ومنكر، ومنهم من يخلو بلعب الشطرنج، ومنهم من يقطع الزمان بكثرة الحديث عن السلاطين، والغلاء والرُخْصِ إلى غير ذلك.
فعلمت أن الله - تعالى -لم يُطْلِعْ على شَرَفِ العُمرِ ومعرفة أدوار العافية إلا من وفقه وألهمه اغتنام ذلك {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35) } (9) أهـ
قال الإمام الماوردي - رحمه الله - (10) : ومن الناس من يرى متاركة الإخوان إذا نفروا أصلح، واطراحهم إذا فسدوا أولى، كأعضاء الجسد إذا فسدت كان قطعها أسلم. فإن شح بها سرت إلى نفسه، وكالثوب إذا خلق كان اطراحه بالجديد له أجمل.
وقد قال بعض الحكماء: رغبتك فيمن يزهد فيك ذل نفس، وزهدك فيمن يرغب فيك صغر همة.
وقد قال بزرجمهر: من تغير عليك في مودته فدعه حيث كان قبل معرفته.
وقال نصر بن أحمد الخبزارازي:
صِلْ مَنْ دَنَا وَتَنَاسَ مَنْ بَعُدا ** لا تُكْرِهَنَّ عَلَى الهوى أَحَدا
قَدْ أَكْثَرَتْ حواءُ إِذْ وَلَدَتْ ** فَإِذَا جَفَا وَلَدٌ فَخُذْ وَلَدَا