أهويتُ دون شعورٍ مني على يديها أقّبلها، رفعَت يدها بسرعة، ورفعت نقابها الأخضر، وهوت على رأسي تقبّله بابتسامة وهي تتمتم: (لا بأس، طهور إن شاء الله) . ونُقِلت بعدها إلى جناح التنويم، وودّعتني، كنتُ عاجزة عن التحرّك من السرير للألم، وكان صوت التلفاز يزعجني بمعازفه، وصعُب عليّ التفاهم مع الممرضات، وخالفت رغبتي رغبة المريضات الأخريات.
فجأة سمعتُ صوت التلفاز يخفّض، والستائر على المريضات تُغلَق، ويُطلَب منهنّ التحجّب فجولة الأطباء اليومية تكادُ تبدأ، عرفتُ ذلك الصوت وزدتُ به فخراً وفرحاً، زارتني بعد انقضاء الجولة الصباحية ومعها دعاء زيارة المريض لتعلّقه فوق سريري.
آهٍ يا ابنتي لقد قتلتني بحملكِ الهمّ، لقد قتلتِ فيني ذلك الوهم، لقد قتلتِ فيني كل نظرة انتقاص أو ازدراء لمن حملت على عاتقها إسعاد المؤمنات وسترهنّ و حراسةِ عفافهنّ. تُرى كيف سنطمئنّ إلى أنفسنا وأعراضنا وعوراتنا في المستشفيات مالم نطمئِنّ لوجود أمثالكنّ .. ؟!!.
المستشفيات يستحيل أن تُغلَق، والحاجة أم الاختراع، والمؤمن الصادق لا يعدم وسيلة توصلهُ لما يرضي الله، و وجود الصالحين والصالحات هو ما سيشحذ العمل الدعوي في هذا القطاع، وسيعجّل بأسلمته، وارتفاع الأصوات بالمطالبة بإصلاحه وفصل الرجال عن النساء به.
و مع تزايد الحاجة لعملٍ منظّم مُثمِر للدعوة إلى الله في الأوساط النسائية في المجال الصحي وإصلاح أوضاعه ودعوة أهله بالحكمة والموعظة الحسنة وللإعانة في ترجمة الأفكار لواقع مُثمِر؛ كان انضمام بعض الصالحات لهذا المجال احتساباً وجهاداً، وعلى الرغم من قلّتهنّ بالنسبة لغيرهنّ من العاملات؛ لكن ربّ قليلٍ تُكَثّره النّية، والقليل مع الإخلاص؛ كثير.