فهرس الكتاب
فتأمل هذا المشهد: كيف لم يجرؤ أحد من الصحابة أن يسأل شيئاً؛ إذ رأوا أمارة الغضب عليه - صلى الله عليه وسلم -، إلا رجلان: أحدهما سأل عن مدخله، فأجابه: النار، والعياذ بالله! والآخر انتهز الفرصة ـ رغم هول الموقف ـ فقال: «من أبي؟» فأجابه النبي - صلى الله عليه وسلم: «أبوك حذافة» . إن الإحساس بانقطاع النسب عقدة اجتماعية، سببها الإحساس بالجهل بالذات اجتماعياً، لا وجودياً؛ ولذلك فقد جاء في رواية مسلم لهذا الحديث: «فأنشأ رجل من المسجد كان يُلاحَى فيدعى لغير أبيه فقال: يا نبي الله! من أبي؟» أي أنه كان إذا خاصمه أحد من الناس؛ سبه وعيره بنسبته إلى غير أبيه! فكان ذلك يحزنه ويعقده، فلم يستطع أن يكتم رغبته الجامحة في معرفة حقيقة نسبه، رغم ما شهد من رهبة اللحظة، وخوف الصحابة من غضب النبي - صلى الله عليه وسلم -! وكم شهدنا من الناس من أنفق ما أنفق من الأموال والأعمار من أجل اكتشاف والده، أو أي أحد من عشيرته، أو أي خيط مهما بعد أو ضعف من خيوط نسبه، أو من له صلة بذلك من الناس، عساه أن يصله بحقيقة نفسه، ولو توهماً!
غريب أمر هذا الإنسان! كيف يجهد لمعرفة حقيقته الاجتماعية، ولا يجهد ذلك الجهد وأقصى لمعرفة حقيقته الوجودية؟
إن الذي ينصت إلى خطاب الفطرة في نفسه يسمع نداء عميقاً يترجم الرغبة في معرفة من أسدى إليه نعمة الوجود. ألا ترى أن الإنسان مفطور على شكر من وصله بمعروف؟ بلى! إذن: لِمَ لا تسأل عمن خلقك؟ لا تسرع في الإجابة! لا تقل لي: إنني أعرف الله؛ فأنا مسلم، فما هذا الذي نريد؟