فهرس الكتاب

الصفحة 2152 من 4219

أنت مخلوق. هذه حقيقة وجودية؛ فلا أحد منا جاء إلى الوجود بإرادته وقراره. من هنا كان الواجب الأول عليك أن تبحث عن الله الخالق، بهذه الصفة، أعني صفة الخالقية؛ لأنها سبب مجيئك إلى الكون؛ وإلا كنت عدماً. ولذلك كان أول حق لله رب الناس على الناس وجب عليهم أداؤه ابتداء: هو حق الخالقية. أليسوا مخلوقين؟ بلى! إذن تعلق بذمة كل مخلوق أن يشكر الخالق، من حيث هو - عز وجل - خلقه.

و «الخلق» مفهوم من أغرب مفاهيم القرآن العظيم، ومن أكثرها استعصاء على الفهم والإدراك؛ فهو دال عموماً على: التكوين والإنشاء؛ إبداعاً واختراعاً. أي أنه خلق الخلق على غير مثال سابق، فتأمل هذه الحقيقة أولاً: «على غير مثال سابق» إنه - تعالى - فَطَرَ خلقه، وأنشأهم ولم يسبق له في ذلك نموذج يحتذى؛ ف- سبحانه وتعالى- من خالق عظيم! فلقد كان - تعالى - ولم يكن قبله شيء، هو الأول بلا بداية، وهو الآخر بلا نهاية،- جل شأنه، وتعالى جده -، ولا إله غيره. تأمل كيف كان خلق الكون؟ كيف كان العدم، وما العدم؟ ثم كان الوجود بأمر {كُن فَيَكُونُ} [البقرة: 117] . ثم تأمل كيف كان خلق آدم - عليه السلام: كيف صنع الله من الطين بشراً سوياً؟ يفيض جمالاً وحيوية. عجباً، عجباً! كيف كانت كتل الطين في جسم آدم تتحول إلى شرايين، وشعيرات دموية، وعظام ولحم طري؟ عجباً، عجباً! كيف تحول الصلصال في محاجره - عليه السلام - بصراً يبرق، ويشع بنور الحياة، ويرى الألوان والأشياء، ويسيل بالدموع فرحاً وحزناً؟ عجباً، عجباً! كيف تَخَلَّقَ الترابُ في جمجمته دماغاً مائعاً مارجاً متكوناً من ملايين الخلايا اللطيفة الحساسة، تجري شعيراتها بالدم الدفاق، وتختزن ملايين المعلومات والذكريات، وتتأهب للتفكير في أدق الخطرات والنظرات؟ عجباً، عجباً!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت