فهرس الكتاب
هاتان آيتان كلِّيتان من القرآن العظيم، تعلق الأمر فيهما بالعبادة والتقوى، وما في معناهما من الانتظام في سلك العابدين، وفلك السائرين إلى الله رب العالمين، إثباتاً لحق الله من حيث هو خالق لشجرة البشر. ولا يفتأ القرآن يُذَكِّر بهذه الحقيقة، باعتبارها مبدأ كلياً من مبادئ الدين والتدين، وأنها العلة الأولى منه؛ وذلك نحو قوله - تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ِ} [الذاريات: 56] . فكثيراً ما يردد الناس هذه الآية، ولكن قليلاً جداً ما يتدبرونها. إنها آية كونية عظمى .. إنها مفتاح من مفاتيح فهم القرآن العظيم، وباب من أبواب معرفة الربوبية العليا. تأمل قوله - تعالى: {وما لكم لا ترجون لله وقارا (13) وقد خلقكم أطورارا} [نوح: 13 - 14] . انظر كيف ربط حقه - تعالى - على عباده بمبدأ خلقهم أطواراً .. فكلما ازداد الكفار تعنتاً ازداد القرآن إفحاماً لهم، في بيان تفاصيل الخلق. فتلك حجة الله البالغة إجمالاً وتفصيلاً.
تدبر معي هذه الآيات واحدةً واحدة .. قال - عز وجل - في حق الكافر الذي أنكر البعث على محمد - صلى الله عليه وسلم -، فجاء بطحين عظام ميتة نخرة، ونفخ فيها فتطاير غبارها من يده، فاستهزأ متسائلاً بما حكاه عنه القرآن الكريم، قال: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ - صلى الله عليه وسلم - (79) الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ (80) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ} [يس: 78 - 81] .