فالأسماء الحسنى هي مدخل التعريف بالله رباً، وهو توحيد الربوبية، كما في هذه الآيات، وهي كذلك مدخل التعريف به إلهاً، وهو توحيد الألوهية، كما في قوله - عز وجل - من سورة الأعراف: {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأعراف: 180] .
ومن هنا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أسماء الله الحسنى: «إن لله تسعة وتسعين ـ أعطى مائة إلا واحداً ـ من أحصاها دخل الجنة. إنه وتر يحب الوتر» (2) وفي رواية: «من حفظها دخل الجنة» .
وزاد الترمذي والحاكم وغيرهما في الحديث تفصيلاً في عد هذه الأسماء (3) .
قلت: إن جماع توحيد الربوبية يؤول إلى إثبات الأسماء والصفات لله رب العالمين، إثبات إيمان وتسليم، لا ينحرف به تأويل، ولا يزيغ به تعطيل، ولا يخرمه تشبيه أو تجسيم. فهو - تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] . فلا ينسب شيء من الخلق والتدبير في الكون إلا له - سبحانه -، وحده دون سواه، ولا يعتقد شيء من النفع والضر، والعطاء والمنع، والحياة والموت يصل الكائنات من غيره - تعالى -. فكل الأسماء الحسنى والصفات العلى دلت على تفرده - سبحانه - بمقتضياتها من الفعل والأمر، لا دخل لأحد من خلقه في ذلك إلا بإذنه - تعالى -. تدبر ـ ثم تدبر ـ قوله - عز وجل: {اللَّهُ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَاخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إلاَّ بِإذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إلاَّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} [البقرة: 255] .