ذلك هو توحيد الله في ربوبيته أي في مالكيته للكون وخالقيته له، وذلك هو المنطلق السليم، والأساس القويم لتوحيد الألوهية، كما ذكرنا، وبقدر تصفية ذلك يكون السير في طريق المعرفة الربانية، والرقي في مدارج الإيمان لأداء حق الخالقية؛ حيث إن توحيد العبودية، أو الألوهية كله لا يخرج عن معنى السير إلى الله رغباً ورهباً، من حيث إنه - تعالى - موصوف بصفات الكمال والجمال. وبهذا السير تتحقق للعبد رتب المعرفة به - تعالى -، ويكتسب الجديد من منازل الإيمان، ومقامات الإحسان، سيراً في طريق عبادته - تعالى - على نهج السنة النبوية؛ استجابة لقوله - تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَاتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 99] .
وهنا نعود إلى حديث الأسماء الحسنى؛ حيث يتبين أن قول النبي - صلى الله عليه وسلم: «من أحصاها ـ أو من حفظها ـ دخل الجنة» إنما المقصود بالإحصاء (الحفظ) عينه، كما هو في صحيح البخاري في «باب إن لله مائة اسم إلا واحداً» ، وقد ذهب أغلب العلماء ـ كما سترى بحول الله ـ إلى أن (الحفظ) هنا هو بمعنى حفظ المقتضيات من الأفعال والتصرفات، لا حفظ العبارات، كما في قول النبي - صلى الله عليه وسلم: «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك» (1) . والمقصود بحفظ المقتضيات: توقيع كل أعماله وتصرفاته بما تقتضيه دلالاتها من حدود والتزامات.