إنها عقيدة السلام والأنس الجميل بالله. وبقدر ما تسكن النفس إلى اسمه - تعالى - (الرزاق) يذوق العبد من معنى (الحفظ) جمالاً حميداً، وأنساً جديداً، فتعلو القدم بذلك في مراتب العبودية، وتوحيد الألوهية مقامات أخرى. والربانيون في (حفظ) كل اسم من أسمائه الحسنى ـ بهذا المعنى ـ مراتب ومنازل. وبذلك يمتلئ القلب حباً لجمال أنواره وجلال أفضاله - تعالى -، فيزداد شوقاً إلى السير في طريق المعرفة الربانية التي كلما ذاق منها العبد جديداً ازداد أنساً وشوقاً، فلا تكون العبادة ـ بالنسبة إليه حينئذ ـ إلا أنساً، وراحة، ولذة في طريق الله؛ إذ تنشط الجوارح للتقرب إليه - تعالى - بالأوقات والصلوات، والصيام والصدقات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكرات، والدخول في سائر أعمال البر الصالحات. ولك في أسماء الله الحسنى ـ من كل ذلك ـ مسالك تقربك إلى الله - سبحانه -، وتوصلك إليه.
هذا هو الفهم الأليق بحديث الأسماء الحسنى، وهو ما ذهب إليه أغلب شراح الحديث عند تعرضهم لذلك؛ ومن هنا قال ابن حجر - رحمه الله - في الفتح: «وقال الأصيلي: ليس المراد بالإحصاء عدها فقط؛ لأنه قد يعدها الفاجر، وإنما المراد العمل بها. وقال أبو نعيم الأصبهاني: الإحصاء المذكور في الحديث ليس هو التعداد، وإنما هو العمل، والتعقل بمعاني الأسماء والإيمان بها» (3) .
وقال أيضا: (وهو أن يعلم معنى كلٍّ في الصيغة، ويستدل عليه بأثره الساري في الوجود، فلا تمر على موجود إلا ويظهر لك فيه معنى من معاني الأسماء، وتعرف خواص بعضها. قال: وهذا أرفع مراتب الإحصاء. قال: وتمام ذلك أن يتوجه إلى الله - تعالى - من العمل الظاهر والباطن؛ بما يقتضيه كل اسم من الأسماء) (4) .