اقرأ، وأنصت، وتدبر قوله - تعالى: {إنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَاكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (42) وَاللَّهُ يَدْعُو إلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [يونس: 24 - 25] .
ههنا لمفهوم (الحياة) حقيقتان: حقيقة الحياة الدنيا، وحقيقة الحياة الأخرى.
فأما الحياة الدنيا فأهم خصائصها الجوهرية أنها فانية؛ فهي محكوم عليها بـ (الفناء) ، وقد ضرب الله لها في الآية السالفة مثلاً: وهو دورة الحياة والموت في الطبيعة؛ إذ ينزل ماء الحياة في فصل الخريف وفصل الشتاء، غيثاً يبعث النبات من أعشاب وزروع، فتبتهج الأرض بالربيع الزاهر، وتحتفل بموسم الجمال، أشجاراً وأطياراً وأنهاراً، وزخرفة تعلو الروابي والبساتين والسهول؛ فتكون أشبه ما تكون بالحسناء المتزينة بشتى التلاوين وفنون الصنعة؛ حتى تكون في أسحر أحوال الإغواء والإغراء) ذلك أن الزخرفة الصارخة تلقي على قلب الإنسان شباكاً سحرية، فتستوعب كل وجدانه وتفكيره، فلا يرى شيئاً بعد ذلك إلا من خلالها؛ حتى إذا جاء الصيف، وأنضجت الزروع حبوبها كان الحصاد مآلها، فلا ترى لها في الأرض أثراً إلا هشيماً من حصيد؛ تماماً كما تتناثر أوراق الأشجار عند الخريف، لَقىً ذابلاً تذروه الرياح بكل البطاح، فتعوي ريح الفناء بالوديان والقيعان لتكنس كل أثر للحياة، وكأن الأشجار المتحطمة الأغصان ما أورقت قط ولا أزهرت، وكأن الأطيار الراحلة في الأفق البعيد ما عششت ههنا ولا غردت {كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ} .