ولنا في هذا المثال الرباني الحق عِبرتان كلتاهما ترجع إلى حقيقة كونية عظمى: الأولى تتعلق بمفهوم المكان، أي طبيعة بناء الكون، والثانية تتعلق بمفهوم الزمان، أي طبيعة حركة العمر.
فأما الحقيقة الأولى، أي مفهوم المكان؛ فهو راجع إلى أن هذا البناء الكوني الممتد ما بين السماء والأرض ليست له طبيعة خالدة؛ لأن تكوينه الابتدائي كان كذلك، أي أنه بني على هذا الوِزان، وهو أن يحيا إلى حين، لا إلى الأبد. فكل المكان من حيث هو مكان قائم على مبدأ الفناء. فحركة أجرامه ومدارات فضاءاته، كلها سائرة إلى نهايتها. ومن هنا كانت حياة هذا الكون الحالي إنما هي (الحياة الدنيا) . فهي حياة. نعم! لكنها إلى حين، إنها (دنيا) : أي قريبة الأجل، لا خالدة، ولا حتى ممتدة امتداداً طولياً حقيقياً، بالنسبة إلى امتداد (الحياة الأخرى) . وكم أخطأ الناس في هذا الزمان في فهم معنى (الدنيا) ؛ إذ ظنوا أنها دالة على الجمال، والغنى والرفاه؛ حتى جعلوا من أسماء بناتهم (دنيا) . وما هذا التعبير بدالٍّ على المدح، بل له دلالة قدحية ناقصة. فالدنيا ـ بهذا السياق خاصة ـ من الدنو والدناءة، وهي معنى نازل لا علو له. ولذلك قيل لسيئ الأخلاق: دنيء. أي له أخلاق منحطة قريبة من الأرض. فالدنيا: حياة قريبة ــمن الفناء، لا لذة حقيقية فيها ولا متعة، ما دام كل شيء فيها إلى فناء. فهي دنيا. ومن هنا سمت العرب أبناءها ـ قبل الإسلام وبعده ـ (خالداً) و (خالدة) ؛ إذ رغبوا قبله في الخلود الدنيوي، وهو محال؛ لأن الضدين لا يجتمعان، ثم رغبوا بعده في الخلود الأخروي السعيد، وهو ممكن بإذن الله.