وعن جعفر بن سليمان قال: سمعت مالك بن دينار يقول: لو استطعت ألا أنامَ لَمْ أَنَمْ مَخافةَ أن يَنزِلَ العذابُ وأنا نائم، ولو وجدت أعوانا لفرَّقْتُهم ينادون في سائر الدنيا: يا أيها الناس: النارَ النارَ. وقال إبراهيم بن أَشْعَث: كنا إذا خرجنا مع الفُضيل بن عِياض في جنازة لا يزال يَعِظُ ويذكّر ويبكي حتى لَكَأَنّه يودّع أصحابه ذاهبا إلى الآخرة حتى يبلغَ المقابر، فيجلس فكأنه بين الموتى، جلس من الحزن والبكاء حتى يقوم وَلَكَأَنّه رجع من الآخرة يُخْبِرُ عنها. وعن شجاع بن الوليد قال: كنت أخرج مع سفيان الثوري، فما يكاد لسانُه يفتر عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ذاهبا وراجعا. والإمام الزهري لم يَكْتَفِ بتربية الأجيال وتخريج أئمة الحديث، بل كان ينزل إلى الأعراب يعلّمهم. وكان الفقيه الواعظ أحمد الغزالي - شقيق أبي حامد الغزالي رحمهما الله - كان يدخل القرى والضِّياع ويعظ لأهل البوادي تقربا إلى الله.
يقول الراشد حفظه الله: ولا ينبغي للداعية أن يَبْتَئِس إن لم يجد فَضْلَ وقت لقيام الليل يوميا، والإكثار من ختْمات القرآن، فإن ما هو فيه من الدعوة وتعليم الناس وتربية الشباب خيرٌ وأجْزَلُ أجرًا، وقدوته في ذلك ورائده أئمة الدعاة من السلف الصالح الذين كانوا يسيحون لنشر الدعوة وتبليغها، ويبادؤون الناس بالكلام، ويحتكون بهم احتكاكا هادفا، ولا ينتظرون مجيء الناس لهم ليسألوهم .. ثم ذكر قصة الأعرابي الذي جاء النبي صلى الله عليه وسلم وسأله قائلا: يا محمد أتانا رسولُك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أَرسلَك؟