إنه النموذج الذي اتبع الذكر، وخشي الرحمن بالغيب فكان له موقف مشرف مع القلوب المغلقة، المستكبرة على الله وعلى رسله وعلى دعوته، فهذا المؤمن استمع للحق، فاستجاب له، وآمن به، وانفعل بهذا الحق، فلم يستطع السكوت، ولم يؤثر الصمت في وقت شديد، ومنطق لأعداء الله أشد ينذر بالخطر، إنه استمع لما قالوه لمن سبقوه في هذا الطريق من الرسل،"قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم". (يس: الآية 18) .
فدعوة الحق عند الضالين شر، وصاحبها متهم يجب أن يسكت، وإلا فالرجم والعذاب الأليم، ومع ذلك فإن مؤمن آل يس يأتي من أقصى المدينة، يسعى ويقف أمام قومه وهم يكذبون ويجحدون ويتوعدون، ويوجه إليه نفس الدعوة، ويطلب منهم أن يتبعوا المرسلين ويتحدث إليهم في شجاعة وصراحة عن نفسه وعن أسباب إيمانه، ثم يهتف"إني آمنت بربكم فاسمعون". (يس: الآية 25) ... فلم يمهلوه أن قتلوه وها هو يرفعه الله - عز وجل - إلى دار الخلد بين الخمائل فيها الرياحين، دار الكرامة"قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون، بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين". (يس: الآية 27 - 28) . وهنا يتدخل القدر بحسم، ليوقف الذين يبغون في الأرض بغير الحق عند حدهم، لقد صاح عليهم جبريل - عليه السلام - فخمدوا كما تخمد النار، صيحة واحدة وانتهى الشر، وذهب الباطل إلى غير رجعة. قال الله - تعالى:"إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون". (يس: الآية 29) .
إن دماء الشهداء غالية عزيزة عند الله، ينتقم لها مهما طال الزمن، وهي التي تنزلق فيها أقدام الظالمون فتهوى بهم إلى القاع، وبئس القرار.
ما أحوج الدعاة إلى الله أن ينهلوا من سيرة أسلافهم ما يقودهم إلى النصر، وأن يأخذوا من الماضي ما يعينهم على الحاضر.
ماذا ينتظروا المسلمون؟