فهرس الكتاب

الصفحة 2261 من 4219

ولو تأملنا في واقع الرسالات والنبوات لوجدنا مبدأ تكثيف الرموز والقدوات من أساليب التأثير حسب حاجة كل قوم، فإذا خفف من الرموز عوض الرمز المنفرد بمزايا ومكونات تغطي الجوانب الأخرى لحكمة أرادها - عز وجل -. فعندما كان نوح - عليه السلام - منفرداً عوضه الله بطول المدة التي تغطي الحاجة، وذلك من الابتلاء له - عليه السلام -، كذلك لم يكن قومه بالعدد الذي يعجز عنه نبيٌ أو مرسل واحد، ولو نظرت إلى هود - عليه الصلاة والسلام - وكيف كان منفرداً في أمة «عاد» الجبارة لوجدته يحمل صفة تناسب الوقوف في وجه جبروتهم وهي القوة والصلابة والشجاعة وأعلى مقامات التوكل حين يقول لأولئك الجبارين {فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنظِرُونِ * إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ .. } وقد أسلم معه فوق ذلك أربعة آلاف كما في الروايات. وإن كان شعيبٌ - عليه الصلاة والسلام - ضعيفاً في جسده وقوته إلا أن الله أعطاه قوة العشيرة {وإنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ} .في قصة أبينا إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - ما يوضّح ذلك، فعندما أرسله الله - عز وجل - إلى قومه لم يكن بحاجة في البداية إلى سند يبلغ معه أو قدوات تتكتّل معه لأن أصل الدعوة في حياته كانت بداية بين أب يصنع الأصنام وابن يسعى إلى تحطيمها، وكان الحوار شديداً وقوياً بين الأب وابنه، فلما وقع منهم ما وقع، وأنقذه الله، ثم انتقل من بابل إلى بيت المقدس بدأ مرحلة جديدة وهي: {إنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إمَاماً} ، وهذه الإمامة تقتضي عدداً من القدوات، وكتلة من الرموز الحيّة من أنبياء وأولياء، فكان - عليه الصلاة والسلام - نقطة تحوّل في تاريخ البشرية وهي بداية التمهيد لقيام أكبر ثلاث رسالات وثلاثة كتب وثلاثة أمم وهي رسالة موسى بالتوراة، وعيسى بالإنجيل، ومحمد عليه وعليهم الصلاة والسلام بالقرآن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت