كتغير الظروف التي يعجز عن مواجهتها الرموز، أو ضعف التهيئة والتأسيس حيث أهملت جوانب مهمة في بناء شخصيات هذه النخب ومنهجها أو غير ذلك مما يدخل في الكلمة الدارجة «ليس بالإمكان أكثر مما كان» .
إن أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - لم يعد فيها أنبياء وليس يحفظها رجل واحد بل إن بقاءها واستمرار حياتها يجيء في زخم القدوات ونهوض أسراب الرموز، ولقد كان السبب في خيرية القرن الأول أن الرموز فيه لم يكونوا وحداناً بل زرافات، أينما قلب المرء وجهه وبصره وجد جموعاً من السابقين إلى الخيرات تهزّ غراس المعاني وتنثر ثمارها في الطرقات والبيوت والمساجد. زمرٌ تتحرّك بهدايات الرحمن - سبحانه - مجتمعة متماسكة أمام زخّات الفتن وتقلّبات الدهر، عشرات عشرات ومئات وآلاف من الأولياء والمبرزين في مجتمع صغير كمجتمع المدينة الطاهر، فكم في ظنّك يحتاج واقعنا إلى رمز حيّ؟
إن النخب الإسلامية تتصحّر، وإن الأرض الإسلامية أقحطت في هذه الأيام من السبّاقين وأهل الجرأة والعطاء والاحتواء. إننا نؤمن بأن الصالحين في هذه الأمة بالملايين، ولكن الرموز غائبة لتجمع هذه الملايين على منهاج واحد، وإن القدوات تحتاج إلى تنبيه وإنذار، أفلا يخرج من الملايين أسرابٌ تكسر حواجز الجمود، وتجّدد ألوان الحياة، وترفع السقف إلى مكانه الصحيح، وتهتك أستار الاحتكار؟ ثم تقول للناس هلمّوا؟
وعندما يُسأل النبي - صلى الله عليه وسلم: «أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث» . فهذه نسبية واضحة بأن الخبث لا يكثر إلا في قلة وضعة وغياب من الصالحين وقلة اكتراث، ولن يهلك الصالحون بمجرد كثرة الخبث بل بعدم وقوفهم أمام هذا الخبث بالإصلاح والتطهير والحدّ من انتشاره، وهذا منصوص عليه في الكتاب والسنة، وهو ما وقع للأنبياء من نجاة عند إهلاك أقوامهم.