فلن يملك الواعظ والخطيب أن يكون معالجا للواقع المريض إلا بمعرفة أمراضه وكشف أسبابها ووصف أدويتها، ولن يكون مصلحا في الناس ولا مؤثرا في نفوسهم ولا مغيرا في سلوكهم إلا بالعلم والحكمة والوعي؛ تلك التي تجتمع في إطار ثقافة خاصة لا يكتمل تحصيلها بغير القراءة الواعية المستمرة.
وهذه الثقافة ستكون سلاحه الذي يواجه به جهل الناس بقيم الإسلام وأحكامه، وانشغالهم المفرط بشئون دنياهم عن أمور دينهم، وغفلتهم عن اتخاذ الإسلام أساسا لإصلاح الواقع وبناء المستقبل. وستكون هذه الثقافة عونا له على حسن النظر في سطور كتاب الواقع الذي تتلاحق فيه أنفاس الحياة، وتتعاقب فيه المستجدات والمتغيرات، وتدور فيه عجلة الأحداث بسرعة لا تمهِل حملة الدعوة وصناع الرأي وفرسان التوعية والتذكير.
وإن غياب هذه الثقافة سيجعل الواعظ والخطيب معزولا عن الواقع، يحلق وحيدا في أجواء خالية، ويدور في حلقة مغلقة، بعيدا عن إدراك حاجة المجتمع، وتحديد مستلزمات الإصلاح، وتحقيق رسالة الوعظ، والقيام بواجب التوعية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
جفوة القراءة والفقر الثقافي:
ومما يثير الأسف أن فئة من الخطباء والوعاظ يكتفون بما حصَّلوا من علم شرعي، ولا يحاولون استكمال بعض النقص الظاهر في كفايتهم العلمية وأدائهم العملي، ويقفون من العلم عند حدهم ولا يتجاوزونه إلى الاستزادة من العلوم الأخرى والثقافة العامة، بل ربما قصروا في مذاكرة ما حصلوا من العلم الشرعي نفسه، فانعكس ذلك على خِطَابهم ووعْظهم ضعفا ظاهرا عند بعضهم في اللغة إلى حد يزري بصاحبه، ونقصا ملحوظا لدى آخرين في إتقان أساليب التوصيل والعرض والإقناع، واضطرابا لدى بعض منهم في تناول قضايا عصرية معينة؛ وهو ما يشي بضحالة فكرية وفقر ثقافي، وتقصير في واجب الإعداد العلمي لخطبته والتحضير المنهجي لدرسه وموعظته.