وعلى ذلك فإن من السياسة الشرعية في الدعوة إلى الله - تعالى - أن تظهر من الداعية الرغبة الحقيقية والحرص على هداية الناس والتحسر على ما هم فيه من الضلال والبعد عن دين الله - تعالى -، ولا يكون موقفه منهم موقف المتشفي فيهم الذي وقف جهده وهمه على الإغلاظ عليهم، وهذه السياسة الشرعية في الحرص على هداية الناس ليست قاصرة على شريعتنا، بل هذا ما أوصى الله به موسى وأخاه هارون عندما أرسلهما لدعوة فرعون؛ إذ قال الله لهما: {فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 44] ؛ فالموقف موقف دعوة وترغيب في الهداية، فكان المناسب لذلك هو القول اللين الذي من شأنه أن يقود إلى الاستجابة. وأما الإغلاظ في القول والشدة في التصرف في هذه الحالة يكون مدعاة للنفور والاستكبار. وهذا نوح - عليه السلام - قال لقومه: {اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ} [نوح: 3 - 4] إلى أن يقول: {ثُمَّ إنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إسْرَارًا * فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا} [نوح: 8 - 11] ، كل ذلك حرصاً منه ورغبة في هدايتهم.