فالتماس الوسائل واتخاذ الطرق والأساليب المؤدية لذلك هو همُّ الدعاة الحقيقي. وبعد هذا الجهد الكبير فهناك من يشرح الله صدره ويهديه، ولكن مع ذلك تبقى بقية ظالمة فاجرة متكبرة لم يُرِدِ الله هدايتها؛ فإذا وصلت فئة إلى هذا الحد وانقطع أمل الداعية في رجوعهم للحق؛ فإن عليه أن يواجه الظالم الكفور بما يناسبه مع مراعاة ما تقدم ذكره من المصالح والمفاسد، وليس من السياسة الشرعية تركه والحالة هذه يتمادى في غيه ويزيد من شططه إذا لم تكن هناك مصلحة ترتجى من وراء ذلك، وقد قال الله - تعالى - في قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون ـ لعنه الله ـ: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إسْرَائِيلَ إذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إنِّي لأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا} [الإسراء: 101] ، فرد عليه موسى - عليه السلام - وقال له: {قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إلاَّ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا} [الإسراء: 102] ، فبعد كل هذه الآيات البينات يلجُّ فرعون في غيه، ويرفض الإيمان، ويتهم موسى بالسحر؛ فما كان من موسى - عليه السلام - إلا أن واجهه بأنك تعلم يا فرعون علماً يقيناً أن هذا ليس بسحر وأن هذه آيات أنزلها رب السموات، ثم يتهدده بقوله: وإنك يا فرعون لأظنك مثبوراً أي هالكاً ممقوتاً ناقص العقل، فليس من السياسة الشرعية في الدعوة أن نقف أبد الدهر عند قوله - تعالى: {فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا} [طه: 44] ، وليس من السياسة أيضاً أن نبدأ الدعوة بـ {وَإنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا} [الإسراء: 102] ، وإنما السياسة الحقة هي مقابلة كل موقف بما يناسبه ففي موقف الدعوة وقبل استحكام العناد يأتي قوله - تعالى: {فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا} [طه: 44] ، وفي موقف الجهاد والجِلاد يأتي قوله - تعالى: وَإنِّي