وهذا النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي بأصحابه وهو يحمل أمامة بنت زينب بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جدّ هذه الطفلة - فكان يصلي بالناس حاملاً هذه الطفلة، فإذا قام حملها، وإذا سجد وضعها- صلى الله عليه وسلم - هذا فيه حركة، وفيه ملاطفة للطفلة، وفيه أنه يؤمّ الناس فقد يلتفت بعضهم لينظر ماذا كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - مع هذه الطفلة. ومع ذلك فالنبي - صلى الله عليه وسلم - وهو أتقى الناس لله - تعالى -وأعلمهم بما يتقي - كان يفعل ذلك.
ومثال آخر: اجتمع نفر من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسألوا عن عمله في السّرّ، فأخبروا بذلك، فتقالّوا عمل النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقالوا: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - غفر الله له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر، ولكن نحن بحاجة إلى عمل أكثر ليغفر الله لنا ذنوبنا، فقال أحدهم: أنا أصوم ولا أفطر. وقال الثاني: أنا أقوم ولا أنام. وقال الثالث: أنا لا أتزوج النساء، فبلغ قولهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: (( أما أنا فأصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس منّي ) ). هذا كله يدل على أنه لا ينبغي لنا، بل لا يجوز لنا أن نغلو في دين الله، سواء أكان في دعاء غيرنا إلى دين الله، أم في أعمالنا الخاصة بنا، بل نكون وسطاً مستقيماً كما أمرنا الله - تعالى -بذلك، وكما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - فالله - تعالى -يقول: {وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصّاكم به لعلكم تتقون} . والنبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأصحابه: (( لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم ) )، وأخذ حصيات وهو في أثناء مسيره من مزدلفة إلى منى أخذ حصيات بكفه وجعل يقول: (( يا أيها الناس بأمثال هؤلاء فارموا وإياكم والغلو في الدين ) ).