فهرس الكتاب

الصفحة 2487 من 4219

وذلك بالعزو إلى البخاري ومسلم والموطأ وغيرها من كتب العلوم - وهذا يكاد أن يكون مفقودا - وأما تعميمُ الكلامِ، والإغراقُ في الشعارات، والميلُ إلى العبارات الفضفاضة؛ فليس من العلم في شيء.

رابعاً: الحرص على الإيجاز في الكلام والاقتصار على القليل النافع:

وكما أنّ قِصَر الخطبة مَئِنَّةٌ من فقه الخطيب، فكذلك التطويل والمبالغة في التكرار والإسهاب من غير حاجة مَظنَّةُ جَهْلِه. وإذا كان أعظمُ خطيبٍ لا يُمَلُّ حديثُهُ - صلى الله عليه وسلم - يلتزم بالإيجاز وهو يخاطب أحرصَ الناسِ على استماعِه ممن يستزيدون ولا يضجرون فيخاف عليهم السآمة؛ فغيرهم من باب أولى.

ولا شكّ أنّ تجاهل السُّنّةِ في ذلك مَدْعاةٌ إلى إملالِ الناسِ وتشويشِ أذهانهم من ناحيةٍ، وسببٌ في الوقوع في الأخطاء والسّفسطة وخروج الخطيب عن المقصود واشتغال السامع بما لا ينفعه ولا يعنيه من ناحية أخرى.

ولله در ابن مسعود - رضي الله عنه - ما كان أفقهَهُ! - فقد التزم بهذين الأدبين في قولِهِ وفعلِهِ: كما أخرج البخاري في كتاب العلم [باب ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتخوّلهم بالموعظة والعلم؛ كي لا ينفروا] حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتخوّلنا بالموعظة بالأيام كراهةَ السآمةِ علينا) ، وباب [من جعل لأهل العلم أياماً معلومةً] ذكر فيه حديث أبي وائل قال:"كان عبد الله يذكّر الناس في كل خميسٍ فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن لوددتُ أنك ذكّرتَنا كلَّ يومٍ قال: أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أُمِلَّكُمْ، وإني أتخوّلكم بالموعظة كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتخوّلنا بها مخافةَ السآمةِ علينا". ورحم الله البخاريَّ فقد ذكر هذين البابَيْنِ بين ترجمتَيْنِ بَدِيعَتَيْنِ: هما (باب العلم قبل القول والعمل) و (باب من يُرِد الله به خيرًا يفقهه في الدين) ولا يخفى ما بين ذلك من المناسبة!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت