فهرس الكتاب

الصفحة 2537 من 4219

-وكان - صلى الله عليه وسلم - يتكتم على معظم أخبار سراياه، لأن للمباغتة دوراً مهماً في تحقيق الانتصار على العدو، ومن الأمثلة على ذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - عندما بعث عبد الله بن جحش إلى نخلة كتب له كتاباً، وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه، ولما فتح الكتاب، وجد فيه:"إذا نظرت في كتابي هذا، فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف، فترصُدَ بها قريشاً، وتعلم لنا من أخبارهم"فقال: سمعاً وطاعة، وأخبر أصحابه بذلك، وبأنه لا يستكرههم، فمن أحب الشهادة، فلينهض، ومن كره الموت، فليرجع، وأما أنا فناهض، فمضوا كلهم .. الخ [4] .

-وكان النجاشي - صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكتم إيمانه، مع أنه كان ملكاً على شعب كافر، وما كان قادراً على إظهار إسلامه بينهم، ولهذا فقد نعاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في اليوم الذي مات فيه، وصلى عليه صلاة الغائب [5] .

وجملة القول: فإن حياة الناس لا تستقيم إذا كان كل شيء فيها مكشوفاً تعلمه الخاصة والعامة، فللفرد أسراره الخاصة التي لا يمكن أن يبوح بها ولو لأقرب الناس إليه وألصقهم به، ومثل ذلك العلاقة بين الزوجين .. وللأحزاب والهيئات والدول أسرارها الخاصة، وهذا مبدأ مسلم به عند الأمم جميعاً سواء كانت مسلمة أو كافرة، وليس الخلاف في وجود هذا المبدأ، وإنما الخلاف في حجم كل من السرية والعلنية.

فالسرية عند الأمم المسلمة وسيلة وليست غاية، وجميع المؤمنين الذين كانوا لا يكشفون عن انتمائهم كانوا يحققون مصلحة أكيدة للدعوة، ويتوقعون أن يعرف العدو نشاطهم وبلاءهم في الإسلام، ومعرفة العدو لذلك لابد أن يصاحبها محن وابتلاءات، ولا بد لهم من الصبر والثبات وإيثار الله والدار الآخرة، وهكذا كان شأن: الراهب، والغلام، ومؤمن آل فرعون، وعمار، وأمه سمية، وغيرهم، وغيرهم عندما ابتلاهم الله - تعالى - .. وهؤلاء - رضوان الله عليهم - كانوا وقود دعوة الحق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت