وكانت خديجة تبحث عن ذلك الرجل حتى رأته في شخص الصادق الأمين محمد بن عبد الله الذي ملأت رائحة سموه وعظيم أخلاقه رياحين مكة فدفعت بأموالها إليه ليتاجر فيها .. وكانت خديجة قد نظرت إلى الصادق الأمين بمنظار المرأة الناضجة التي ترى الرجال بمعادنهم لا بأناقتهم وتستطيع بثاقب بصرها أن تميز بين خيارهم فإذا بقلبها ينفتح لمحمد الأمين بعد طول انغلاق مبهورة برجاحة عقله رغم أنه لم يتجاوز الخامسة والعشرين من العمر فتنبأت بفضله قبل أن يتنبأ الرجال .. لكنها كتمت سرها في نفسها فكيف الوصول إليه وهو يصغرها بخمسة عشر عاماً وليس هذا فحسب فربما لن يفكر بها الأمين وهو يعلم مكانة خديجة بين قومها ويرى كيف تتدفق الأفئدة متمنية الارتباط بها شباباً وشيوخاً وهوالفقير اليتيم الذي لم يمتلك من الدنيا سوى صدقه وأمانته ونسبه الذي لا يخفى على أحد في عصر كانت المادة فيه والنسب يلعبان درواً في سلم السيادة بين عرب الجزيرة .. لكن خديجة التي كتمت إعجابها بمحمد عن مكة كلها لم تملك إخفاءه عن صديقتها نفسية بنت منية فقد تجلت مشاعرها واضحة وهي تروي لها ما قاله ميسرة عن الصادق الأمين من عظيم أخلاق بعد أن رافقه في رحلته للمتاجرة بمالها في بلاد الشام .. لكن نفيسة التي رأت بريق عيني خديجة تنبهت للأمر فهونت عليها حيرتها واضطرابها .. وسارعت إلى الأمين تسأله عن سبب عزوفه عن الدنيا وهو الذي يحتاج حتماً لزوج حنون يسكن إليها وتقر بها نفسه .. وكانت نفيسة حريصة على التلميح دون ذكر اسم خديجة رغبة منها في التقريب منعاً للإحراج قائلة له: (فكيف إذا دعيت إلى الجمال والمال والشرف) ليدرك النبي - عليه الصلاة والسلام - بذكائه الفطري أنها تقصد خديجة .. ومن غيرها من نساء مكة حظيت باجتماع كل هذه الصفات .. ويسرع إلى عميه أبي طالب وحمزة ليخطبا له خديجة ..