قول يوسف - عليه السلام:"معاذ الله"، كلمة تدل على قضية إيمانية قامة بالنفس فدفعته لقولها، وهي معنى الإحسان في حديث جبريل. لما سأل عن الإحسان قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. يوسف - عليه السلام - بلغ قمة الإحسان في المعنى الإيماني، بالإضافة إلى المعاني الأخرى للإحسان، فلجأ إلى الله ولم ينسه في تلك اللحظة، بل كان معتصماً به فقال: معاذ الله، وهذا هو الإحسان. أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
قوله:"إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ" (يوسف: من الآية23) . اختلف المفسرون في مراد يوسف - عليه السلام -؛ فهل الضمير يعود إلى الله - جل وعلا -، أم يعود إلى سيده؟ وهما قولان مشهوران.
ولكن الذي ترجح لدي أنه هنا يقصد سيده؛ لأن سيده قال لامرأته:"وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ" (يوسف: من الآية21) ، وهنا أعاد الصيغة، إنه ربي أي سيدي، أحسن مثواي فلا يليق بي أن أخونه في أهله، لا يمكن أن يحسن إلي، فيعاملني معاملة السيد لا معاملة العبيد والخدم، فأسيء إليه بهذا الظلم العظيم"إنه لا يفلح الظالمون"وما دعت إليه ولاشك ظلم عظيم، فالوقوع في الفاحشة ظلم للنفس، وظلم للأهل، وانتهاك لحرمات الله - جل وعلا -، وحرم من أكرمه ففيه تجتمع أطراف الظلم، كما اجتمعت أطراف الإحسان في العفة.
وهذا التفسير لا يتنافى مع من قال: إن المراد في قوله:"إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ" (يوسف: من الآية23) الله - جل وعلا -، فنعم هو ربه - سبحانه وتعالى -، وهو الذي أحسن مثواه، حيث سخر قلب العزيز لإكرامه، ولقول هذه الكلمة، فلا شك أنه فضل الله من قبل ومن بعد، ولكنه يتنافى مع من أخرج بذلك عزيز مصر من مراده يوسف - عليه السلام -.