فهرس الكتاب

الصفحة 2660 من 4219

كما أن المحاسبة قد تتطلب أحياناً تعريض النفس بين الحين والحين لبعض المواقف التي تكبح جماح كبريائها، وتعرفها بمكانتها اللائقة، كخدمة من هو أصغر منه، أو حمل متاعه بنفسه، على نحو ما أُثِرَ عن كثير من السلف. ولا غنى للعبد في كل هذه الوسائل عن الاستعانة بالله - تبارك و تعالى -، واللجوء إليه، لجوء العبد الضعيف المفتقر إلى عون مولاه ومدده وهداه وتوفيقه.

حال السلف في الافتقار إلى الله واجتناب العجب: لقد كان حال النبي - صلى الله عليه وسلم - دوام الافتقار إلى الله، والذل بين يديه، واستمداد العون منه؛ لعلمه بأن (قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد، يصرفه كيف يشاء) . وقد تمثل افتقاره - صلى الله عليه وسلم - في دعائه: (اللهم مصرف القلوب صرّف قلوبنا على طاعتك) (13) يقول ذلك وهو سيّد ولد آدم، الذي غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، بل يصلي حتى تتورم قدماه، ويقول: (أفلا أكون عبداً شكوراً) (14) ولا يجتمع الافتقار والعجب في قلبٍ أبداً.

وقد كان - صلى الله عليه وسلم - يغرس في نفوس أصحابه هذه المعاني، ويرشدهم إلى دوام التواضع لله والاعتراف بين يدي الله بالتقصير، مهما بلغوا من منزلة في الإيمان، فهو حينما يطلب منه أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ دعاءً يدعو به في صلاته، يعلمه أن يقول: (اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم) (15) . ويرشدهم أيضاً إلى إظهار الحاجة إلى الله، وطلب العون منه دوماً، فيقول لمعاذ ـ رضي الله عنه ـ: (يا معاذ! والله إني لأحبك، والله إني لأحبك، يا معاذ! لا تدعنّ في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك) (16) .

نعم إنه يعلِّم ذلك صفوة الأمة، وخيرة أصحابه، ولكنه تعليم للأمة كلها على الصحيح. ثم تأتي ثمرة هذه التربية متجسدة في مواقف خيرة سلف الأمة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت