فهرس الكتاب
ولم يكن هذا حال هؤلاء فحسب، لكنها صفة راسخة من صفات المؤمنين الصادقين، الذين وصفهم الله - عز وجل - بقوله: (( وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ) ) [المؤمنون: 60] . وقد سألت عائشةُ - رضي الله عنها - النبيّ - صلى الله عليه وسلم - عن هذه الآية، فقالت: هم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ فقال: (لا، يا بنت الصدّيق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون، وهم يخافون ألا يقبل منهم، أولئك الذين يسارعون في الخيرات) (20) .
الفرق بين العجب بالعمل والفرح بالخير والطاعة: كما أن العجب بالعمل يورث التواكل والتكاسل، فإن احتقار العمل إذا لم ينضبط فإنه يورث أثراً مشابهاً وهو: الإحباط والملل والسآمة؛ لذا كان للعبد أن يفرح بالحسنة، ويغتبط بالطاعة، بل إن هذا دليل الإيمان، قال: (من سرته حسنته، وساءته سيئته، فهو مؤمن) (21) .
ولكن الواجب عليه في هذا الفرح: أن يكون مستشعراً فضل الله - عز وجل - ومنته ورحمته وتوفيقه، مثنياً عليه بذلك، لا يرى لنفسه في الانبعاث لذلك العمل أثراً يعوّل عليه؛ إذ إن الذي منح القدرة والهداية هو الله - عز وجل - قال - عز وجل: (( قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ) ) [يونس: 58] . وأعظم ذلك الفضل نعمة الإسلام والتوفيق للطاعة، (وإنما أمر - تعالى - بالفرح بفضله ورحمته؛ لأن ذلك مما يوجب انبساط النفس ونشاطها، وشكرها لله - تعالى - وقوتها، وشدة الرغبة في العلم والإيمان، الداعي للازدياد منهما، وهذا فرح محمود) (22) بخلاف الفرح المذموم المقترن باستحضار جهد النفس في العمل، الداعي إلى العجب والغرور؛ وهذا كالفرق بين الفخر بالنعم والتحدث بها (23) .
من العجب إلى الغرور: يتعلق المعجب بالنعم التي يعيشها، والأعمال الصالحة التي يؤديها، ثم يمتد إعجابه ليشمل صوراً من شدة الإعجاب (الغرور) ، ومنها: