فهرس الكتاب
وفي كل هذه الأحوال تجد أن نفوس أصحابها تسكن إلى ما يوافق الهوى، ويميل إليه الطبع، عن شبهة أو خدعة من الشيطان، وترجو بذلك الخير، وتظن غرورها رجاءً محموداً، غير أن الرجاء المحمود هو ما كان على وجهين:
1 -رجاء العاصي التائب؛ الذي يمنعه من القنوط.
2 -رجاء الفاتر عن النوافل؛ الذي يبعث فيه النشاط، ويمنعه من الفتور.
فكل رجاء حث على توبة أو تشمير فهو محمود، وكل رجاء أوجب فتوراً وركوناً إلى البطالة فهو غرور (26) .
والغرور في أسبابه وعلاجه كالعجب، وله من المظاهر والآثار ما للعجب غالباً.
ويل للمعجب من الكبر: الكبر كما عرفه النبي: (بطر الحق، وغمط الناس) أي رد الحق، أو رفض قبوله، واحتقار الناس وازدراؤهم، وتنقّصهم. وحريّ بمن انتفش في نفسه، وأُعجب بعلمه أو عمله أن لا يحتقر علوم الآخرين وأعمالهم وجهودهم، ويقوده ذلك إلى احتقار ذواتهم وأشخاصهم، ورؤية نفسه فوقهم، فيقع في الكبر. وهذا يعني أنه سيرد ما لديهم من الحق؛ لأنه تنقّصهم واحتقر ما لديهم؛ سواء عرف أنه الحق، أم لم يعرف؛ إذ لا اهتمام له أصلاً بالنظر فيما لديهم لتمييز ما فيه من حق وباطل.
فالكبر مرض قلبي من أكثر الأمراض فتكاً بصاحبه، ومن علاماته الظاهرة (27) : إظهار الترفع على الناس، وحب التصدر في المجالس، والتبختر والاختيال في المشي، والتقعر في الحديث، والاشمئزاز عن أن يرد عليه كلامه، وإن كان باطلاً، والاستخفاف بضعفة المسلمين، والافتخار بالآباء والنسب، والحرص على المدح والتعظيم ومحبة أن يسعى إليه الناس، ولا يسعى إليهم، وأن يقوموا له، ومحبة التقدم على الغير في المشية والجلسة، وإسبال الثياب خيلاء.
وينبغي أن يكون الدعاة أكثر حذراً من الكبر؛ نظراً لكثرة مداخله عليهم من جهة العلم والعبادة والدعوة والتصدر للإصلاح؛ فهم أحوج الناس إلى التذكير (28) .