فهرس الكتاب
ويوضح الشيخ مراده بذكاء العقل قائلاً:"ولا أريد بالذكاء عبقرية فائقة، يكفي أن يرى الأشياء كما هي دون زيادة أو نقص، فقد رأيت بعض الناس مصاباً بحَوَل فكري لا تنضبط معه الحقائق، قد يرى العادة عبادة، والنافلة فريضة، والشكل موضوعاً، ومن ثم يضطرب علاجه للأمور، وتصاب الدعوة على يديه بهزائم شديدة" (8) .
كما يبين مراده بنقاء القلب فيقول:"لا أريد بنقاء القلب صفاء الملائكة، وإنما أنشد قلباً محباً للناس، عطوفاً عليهم لا يفرح في زلتهم، ولا يشمت في عقوبتهم، بل يحزن لخطئهم ويتمنى لهم الصواب" (9) .
وفي فكر الغزالي بل في أي فكر مستقيم ينتج عن دقة الفهم عند الداعية التشخيص الصحيح للعلة التي أمامه، وتهيئة شفاء مناسب لها من كلام الله ورسوله، وبذلك يجيء نصحه طباً للمريض، ورحمة تُذهب عناءه، ونوراً يهديه السبيل.
والقدرة على هذا الأسلوب لا يُلقَّاها إلا من استجمع ثروةً طائلة من نصوص الكتاب والسنة، تكون رصيداً عنده لأي داء وافد أو مرض عارض، وإحاطةً تامة بطبيعة البيئة وأحوالها الخفية والجلية، وظروفها القريبة والبعيدة؛ ليكون ذا خبرة واعية بالميدان الذي سيعمل فيه، حتى يدرك كيف يصلح دنيا الناس بدين الله (10) .
ذلك أنه هناك دُعاة يَعِيشون في الماضي البعيد، وكأنَّ الإسلام دين تاريخي، وليس حاضرًا ومستقبلاً، والغريب أنك قد تَراه يَتَحامَل على المُعْتَزِلة والجَهْمِية مَثلاً، وهو مُحِقٌّ في ذلك، ولكنه يَنْسَى أن الخُصومات التي تُواجِه الإسلام قد تَغَيَّرتْ وحَمَلَتْ حقائق وعناوين أخرى (11) .
إن الداعية الذي لا يجمع بين الذكاء والنقاء يثير مشكلات معقدة أمام انتشار الإسلام، فلا دين إذا لم يتكون القلب النقي والعقل المؤمن، فمن فقد الضمير الصاحي والفكر الذكي فلا خير فيه (12) .
رابعاً: الإخلاص: