ولا يتعجب القارئ من تأخير الإخلاص بعد حسن الصلة بالله وإصلاح النفس والذكاء والنقاء، فلا يغني الإخلاص شيئاً إذا كانت صلة الداعية بالله واهنة، بل هما متلازمان، وكذلك الأمر إذا كان مخلصاً ولا يتعهد نفسه بالعلاج والمجاهدة، أو يخالف قوله فعله، وهل يغني الإخلاص عن ذكاء العقل ونقاء القلب شيئاً مذكوراً؟.
إن الدعوة الإسلامية لشدَّ ما عانت من قوم لا يشكّك أحد في إخلاصهم وتجردهم لله تعالى، لكنهم فاتهم كثير من حسن الفهم وعمق التجربة، فأساءوا إلى الإسلام من حيث أرادوا الإحسان، ولقيت الدعوة على أيديهم ما لم تلقه من أعدائها.
والإخلاص هو روح الدين ولباب العبادة وشرط قبول العمل، فلا يقبل الله من الأعمال إلا ما كان خالصاً وابتُغي به وجهه، وقد قال ابن عطاء الله قديماً:"الأعمال صور قائمة، وأرواحها وجود سر الإخلاص فيها".
وإذا كان الإخلاص فريضة على كل عابد، فهو في حق العامل والداعي أفرض وأوجب، وغني عن الذكر ما ورد في القرآن من آيات وفي السنة من أحاديث تحض على الإخلاص في العمل والعبادة، وتحذر من الشرك بالله وابتغاء غير وجهه تعالى بالعمل.
إن الداعية المرائي في فكر الشيخ يقترف جريمة مزدوجة، إنه في جبين الدين سبة متنقلة وآفة جائحة، وتقهقُرُ الأديان في حلبة الحياة يرجع إلى مسالك هؤلاء الأدعياء، وقد رويت آثار كثيرة تفضح سيرتهم وتكشف عقباهم، والذي يحصي ما أصاب قضايا الإيمان من انتكاسات على أيدي أدعياء التدين لا يستكثر ما أعد لهم في الآخرة من ويل ... والعمل الخالص الطيب ولا يقبل الله إلا طيباً هو الذي يقوم به صاحبه بدوافع اليقين المحض وابتغاء وجه الله، دون اكتراث برضا أو سخط، ودون تحرٍّ لإجابة رغبة أو كبح رغبة (13) .