لم تعد مسؤولية الدعاة محصورة في نطاق المسجد الذي يخطبون فيه أو يلقون محاضراتهم، وفي حدود قاطني الحي الذي يسكنون فيه، إن حزام المسؤولية يتمادى في الاتساع ليصل إلى كل نفس منفوسة تدب على هذه الأرض. يقول النبي - صلى الله عليه وسلم: (وإن العالم يستغفر له من في السموات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء) رواه الترمذي، وإسناده حسن. قال العلماء في تفسير هذه الحديث: إن العلماء لهم دور في الوصية بالكائنات الحية، حتى إنهم يوصون الناس بإحسان الذبحة كما أوصى الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فنفعهم عام على كل الخلاق، ولذلك تتذكرهم بالخير والدعاء.
وإذا كان هذا حال الحيتان فما بال البشرية التي التائهة في سرداب شهواتها؟! إنها أحرى بأن تحتل مساحة من اهتمامنا معاشر الدعاة. وقد كاد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يهلك نفسه حزنا على الناس ألا يكونوا مؤمنين، وسهر الليالي ساجدا يدعو ربه متضرعا: أمتي أمتي! فصلى الله وسلم على ذلك النبي الشفيق الذي حمل هم توصيل الدين إلى كل البشرية.
الواقعية لا الأحلام:
وإذا كانت هذه الهمة العالية تمثل نسيجِ طموحِ كل داعية إلى الله - تعالى -، فإنه إزاء تعظيمه لشعائر الله وفرائضه يأبى أن يكون مجرد مراهق ينشغل بالأحلام والأماني الخادعة، ويجمح وراء خيال هاو وسراب كاذب.
إنه يمزج هذا الطموح بتخطيط واقعي، ويبني آمالا صادقة على جهود مخلصة، ثم يكل النتائج إلى الله تبارك و- تعالى -. هو لا ينظر إلى كراسي الحكم والسلطة بقدر ما يتمنى أن يحوز كرسيا واحدا في جنة الخلد. يحدوه الطمع في رضا الله فيبذل حق البذل ليحوز السلعة الغالية {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة} .