أنا أرى أن الخلل الفكري الذي أصاب تصورنا هو السبب الرئيسي، بل هو السبب الأوحد لذلك. وأعود بالقارىء إلى بدايات القرن العشرين، فعندما فتحت الجامعة المصرية أبوابها للطالبات لم يقبل الأزهر أن يفتح المجال لهن. فتخرجت من الجامعة المصرية دفعات عديدة من الطالبات اللواتي تثقفن على الطريقة الغربية في التعليم. ثم بعد عشرين سنة قَبِل الأزهر أن يفتح قسماً خاصاً بالطالبات. ولكن بعد أن أخذت المرأة التي تخرجت من الجامعة المصرية الأماكن الحساسة في المجتمع، وبعد أن أصبحت الفئة المثقفة من النساء هُنّ ممن يحملن الأفكار الغربية بدءأً بهدى الشعراوي وانتهاءً بنوال السعداوي. وحدث في الدول العربية الإسلامية مثلما حدث في مصر تماماً. وكانت النتيجة الطبيعية أن تخرج أجيال نسائية تربّت على أفكار هذه الفئة من النساء، فتحولت المرأة المسلمة في عموم حياتها عن منهج الإسلام وتعاليمه، اللهم إلا من رحم ربي وقليل هنّ، وانتشر السفور بشكل كبير بحيث أصبحت المتحجبات قلةً في المجتمع.
وقد تنبّه إلى هذا الخلل الكبير الذي أصاب مجتمعنا الإسلامي بعض العلماء وبعض المفكرين، فراحوا يُعيدون النظر في دور المرأة المسلمة في بناء المجتمع الإسلامي السليم بشكل عام، وفي دورها في العمل الدعوي بشكل خاص. فيقول الشيخ محمد الغزالي - رحمه الله - في هذا الشأن:"المسلمون في العصر الحديث حرموا المرأة حق العبادة في المساجد، ويوجد في مصر نحو سبعة عشر ألف مسجد لا تُرحب بدخول النساء، ولم يُبنَ في أحدها باب مخصص للنساء كما فعل رسول الله حين بنى مسجده بالمدينة المنورة. وهم رفضوا أن يكون للمرأة دور في إحقاق الحق وإبطال الباطل وصيانة الأمة بنشر المعروف وسحق المنكر. ولم تدخل المرأة الأزهر إلا بعد تطويره الحديث مع أن النبي جعل طلب العلم فريضة على الرجال والنساء. وعندي أن إفلات النهضة النسائية من قيود الإسلام الحقيقية يرجع إلى هذا العجز والغباء (1) ."