جاءت الأحداث الأخيرة في فلسطين لتثبت أن وهم السلام الشامل والعادل الذي طالما بشرونا به في (كامب ديفيد) الأولى وحتى (كامب ديفيد) الثانية، مروراً بمدريد وأوسلو ووادي عربة وواي ريفر وغيرها، ما هو إلا سراب بقيعة، وما تصديق دعواه إلا كمثل صفوان عليه تراب تسفيه الريح ويذهب به المطر، فماذا بقي اليوم من السلام الذي طُبِّعت لأجله العلاقات في بعض الدول العربية وغيرت لأجله المناهج، وغُيب المعارضون في السجون أو أُخرجوا إلى المنافي؟!
لقد أثبت اليهود أنهم لا يريدون ـ كما قال مناحيم بيجن ـ إلا سلام القبور؛ ولذا راحوا يتحققون من ركون العرب إلى الدنيا وإيثارهم للسلامة، ويشجعونهم على ذلك مدركين أن الأمن ـ بل التأمين ـ سيأتيهم من العرب مصوناً مضموناً، عندما يصلون إلى مرحلة «حب الدنيا وكراهية الموت» ، فعندها سيحولهم الوهن إلى موتى في صورة الأحياء، فيكون سلام القبور معهم أمراً واقعياً؛ لأنهم لا يتحركون ولا يريدون لأحد أن يتحرك دونهم.
إن العرب والمسلمين، وبعد ربع قرن من كامب ديفيد الأولى، ونحو عقد من مدريد، وسبع عجاف من أوسلو، يواجَهون بحقيقة السلام اليهودي الأمريكي؛ لا في فلسطين وحدها، بل في الأردن التي طالما ردد شارون أنها (الوطن البديل) للفلسطينيين، وفي سوريا ولبنان اللتين هُددتا أكثر من مرة على لسان شارون بضربة تأديبية، وفي مصر التي هدد أحد وزراء شارون بإغراقها في مياه النيل بضرب السد العالي ... وأخيراً وليس آخراً نسمع أصواتاً من بعيد، من «إسرائيل الغربية» المسماة أمريكا تنادي بضرب مكة ـ حماها الله ورعاها ـ بقنبلة نووية!!
فهل هذا هو الجواب الصهيوني والغربي على الإلحاح العربي بسلام (الشجعان) ؟! يبدو أن جوابهم قد بدأ بالفعل من فلسطين، في وقت عجز فيه العرب حتى عن تدبير مسرحية هزلية لتسويغ الرد الإسرائيلي الصريح جداً على دعوة مؤتمر القمة العربي للسلام.