-وقال في سورة الصف: [يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله، وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار إلى قوله وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب] [الصف: 10 13] .
-وقال في سورة النساء: [فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيُقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجراً عظيماً] [الآية: 74] .
فيلاحظ من خلال هذه الآيات وأضرابها تقديم أمر الجنة على الظفر بالأعداء والتغلب عليهم، وذكر هذا الأمر بهذا الترتيب أريد منه تحقيق أمرين في غاية الأهمية والعلم عند الله.
1 الأمر الأول: أن النصر الحقيقي والنهائي لكل مؤمن هو الفوز بالجنة والنجاة من النار [فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز] ، [وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة] ، وتثبيت هذا الأمر وتقديمه حتى تتجرد النفوس من حظوظ الدنيا العاجلة ومطامعها، حتى وإن كان في ذلك إعلاء كلمة الله والنيل من أعدائه، فيجب أن يستحضر المؤمن على الدوام أن هدفه الأسمى هو نيل رضا الله والفوز بالجنة، والأمور الأخرى يجب أن تكون تبعاً لتحقيق هذا المقصد:"من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله".
إن توطين هذا الأمر في سويداء النفوس ليكون واقعاً عملياً يحياه من يريد التمكين لهذا الدين ليس بالأمر الهين اليسير. لذا فإنه يحتاج إلى جهود تربوية كبيرة، وتقديم تضحيات جسام قد يتعدى أجلها وأمدها أجيالاً من الأمة قبل تحقيق الموعود المقطوع به المتمثل في ظهور الدين والتمكين لأوليائه. ولعل في النماذج التي حفظتها لنا كتب السير والمغازي عن الجيل الأول ما يعضد هذا الذي ذهبنا إليه.