لا شك أن الدعوة إلى الله واجب شرعي يمكن أن يضطلع به كل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً - صلى الله عليه وسلم - رسول الله، غير أن المعروف لدى كثير من العلماء أنهم دأبوا على اعتبار الدعوة إلى الله - سبحانه وتعالى - فرض كفاية إذا قام به بعض الناس سقط عن الآخرين بناء على قوله - تعالى: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالمَعْرُوفِ} [آل عمران: 104] ؛ فـ (منكم) للتبعيض، وهو ما يدل على كونها فرض كفاية، وكذلك قوله - تعالى: {فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إذَا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122] وهو ما يشير كذلك إلى التخصيص بفرقة أو فئة، ولا يهم هنا ترجيح كون الدعوة واجباً عينياً أو كفائياً، وإنما الشاهد في الخلاف هو أن الدعوة إلى الله لا يقوم بها إلا مؤهل، فالمختص بالدعوة المؤهل نسبياً والمقتدر على إبلاغ الدعوة إلى غيره، فالكلام في الدعوة يكون مع الدعاة المؤهلين وهو ما يجرنا إلى طرح التساؤل التالي: إذا كان المكلف بالدعوة شخصية لها صفات محددة وكفاءة محددة، والكلام في الدعوة يكون مع الدعاة المؤهلين؛ فإلى من يوجه الكلام عن ترشيد رد الفعل الدعوي؟ وبصيغة أخرى: من المكلف أو المسؤول الأول عن ترشيد رد الفعل الدعوي؟ والجواب عن هذا السؤال في تقديري سهل المنال؛ فبحكم أن الكلام هنا يدور حول الترشيد، وترشيد ماذا؟ ترشيد رد الفعل الدعوي، فإن الكلام من دون شك سيوجه بالدرجة الأولى إلى القيادات الدعوية سواء كانوا أفراداً أو مؤسسات أو نُخَباً، والكلام هنا شبيه بالكلام عن فنون القيادة، وهذا لا يعني أن عموم الدعاة سيُعْفَوْن من هذه الملاحظات، وإنما المقصود أن هذه الورقة ستكون أقرب إلى تقديم ملاحظات وتوجيهات للقائمين على تربية الدعاة منها إلى عموم الدعاة.