وإذا أردنا أن نقيم مقارنة بين ذلك الواقع التاريخي الأوروبي والثقافة التي أنتجها أي ثقافة المغامرة والإقدام المدفوعة بغريزة القوة والتسلط، وبين المسار التاريخي الذي انبنت فيه حضارة الإسلام وأمة الإسلام أمكننا أن نؤكد بأن الإسلام قد أخرج الأمة العربية من نطاقها الضيق المحدود كي تنتشر بسرعة مذهلة في الأرض؛ حيث أظلت رسالة الإسلام وحضارته العالم المعروف آنذاك في سرعة قياسية بالمقارنة مع الوسائل التي كانت متوفرة آنذاك.
ولنا أن نتصور كيف كان الصحابي الجليل يخرج من الحجاز قاصداً مجاهيل المغرب الأقصى أو مجاهيل الهند أو السند أو الصين ليس في يده خريطة توضح له المسارات، ولا يعرف لغة القوم ولا تخرَّج في معهد لتخريج الدعاة أو تعليم اللغات والتكوين على المهارات، وكيف كان يخرج مجاهداً أو داعياً لله وهو موقن بأنه لن يعود إلى أرضه ووطنه، ولن يستظل بعد ذلك بسمائه أو يشرب ماءه، وكيف كان الصحابة والتابعون يركبون أهوال البحر، ويخترقون فجاج الأرض بجبالها وسهولها ووديانها وشعابها، فلم يكونوا يحملون معهم سوى عقيدتهم وإيمانهم برسالة الدعوة التي فهموا أنهم مستأمنون عليها منذ أن قرؤوا قول الله ـ - تعالى - ـ: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110] ، وقوله ـ - تعالى - ـ: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143] .