فهرس الكتاب
لقد جعل الله الصلاة هي آية المسلم، والعلامة الجميلة التي تميزه في مسيرة التاريخ النبوي، قبل القرآن وبعده، فهي الفصل الذي لا يعرف إلا به، والنور الذي لا يمشي إلا به، قال - عز وجل: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 29] ، وإنما اكتسبوا صفتيهم الأوليين: الجهادية {َشِدَّاء عَلَى الْكُفَّار} ، والخُلُقية: {رُحَمَاء بَيْنَهُمْ} من كونهم رهباناً بالليل؛ أي قوله: {تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا} الآية؛ لأن ذلك هو المعين الصافي الذي يتزود منه المسلم الصادق المجاهد الداعية إلى الله؛ بصدق التوجه والسير؛ من حيث إن قوله - تعالى: {ّتَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا} فيه إشارة إلى أن ذلك هو دأبهم وحالهم المستمر في حركتهم التعبدية؛ إذ التعبير باسم الفاعل {رُكَّعًا سُجَّدًا} يوحي بصورة حية لقافلة المؤمنين وهم منخرطون في حركة الصلاة المتواترة، من غير فتور أو انقطاع، سيراً مستمراً حتى كان ذلك صفة ثابتة لهم، حيثما تراهم {تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا} .
ولذلك كان تشبيه النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاةَ في حياة المسلم التعبدية بالنهر الجاري، قال: «أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من دَرَنِه شيء؟ قالوا: لا يبقى من دَرَنِه شيء. قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا» (1) .