إن (البلاغ) ـ بمفهومه القرآني ـ هو أصل العمل الدعوي؛ ذلك أنه بصيغته هذه مشترك الدلالة بين معنيين: لازم، ومتعد. فهو بلاغ في ذاته، أي أنه مضمون رسالي جاء من رب العالمين يحمل عدداً من البلاغات الربانية إلى الناس أجمعين، ثم هو مقصود بـ (البلاغ) تكليفاً، أي بالتبليغ؛ ذلك أن (البلاغ) يرد في العربية بمعنى (التبليغ، والإبلاغ) أيضاً؛ فهو لفظ مزدوج الدلالة، وكذلك ورد في القرآن ـ كما سترى بحول الله ـ. جاء في لسان العرب: (والبَلاغُ: الإبْلاغُ. وفي التنزيل: {إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ} [الجن: 23] ، أي لا أَجِدُ مَنْجى إلا أن أُبَلِّغَ عن اللهِ ما أُرْسِلْتُ به. والإبلاغُ: الإيصالُ، وكذلك التَبْلِيغُ، والاسم منه البَلاغُ) (1) .
قلت: هذا أصل عظيم في الدين وجب الثبات على تذكره والتذكير به، بلا ملل ولا خجل، والتأكد من سلامة استقراره في الوجدان الحركي للعمل الإسلامي؛ ذلك أن دوَّامة التدافع الدولي والاجتماعي المعاصر كفيلة بجرف الماء عن أبسط منطلقاته، وأوضح مبادئه، في أي لحظة من لحظات انغماسه الإداري والتنظيمي في وطيس الاستفزازات السياسية، والمنافسات التنظيمية، إلا أن يعتصم بالمناط الرسالي لعمله، يدور معه حيث دار وجوداً وعدماً، في كل أمره، جليله وحقيره، وبيان ذلك كما يلي:
سألني أحد المحبين يوماً في غمرة الحيرة التي انتابته؛ إذ لاحظ ما آل إليه الوضع الإيماني من انحطاط، في بعض مظاهر العمل الإسلامي الراجعة إلى نوع من الاستفزازات، وبعض ردود الأفعال، قال: كيف نجدد ديننا؟
قلت: هناك سؤالان كبيران يرتبطان بوجود الإنسان في الكون، ويحددان مصيره فيه، وهما أول الخطو في طريق المعرفة الربانية التي هي مرجع كل عمل إسلامي، وأساس كل تجديد ديني، لكن قلما نضعهما ـ نحن المسلمين ـ اليوم على أنفسنا؛ لأننا نزعم أننا نعرف الجواب بداهة؛ فهل حصل لك أن جردت نفسك من نفسك وسألتها يوماً كأنها شخص آخر: