هذه الموهبة الفذة تعامل معها النبي صلى الله عليه وسلم بما يليق بها، ووظفها في مكانها الصحيح؛ فكانت الموهبة إبداعا؛ ففي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له:"اهجُ قريشا؛ فإنه أشد عليها من رشق النبل"، فقال حسان:"قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه" (يقصد لسانه) ، ثم قال:"والذي بعثك بالحق لأفرينهم بلساني فري الأديم"، فقال صلى الله عليه وسلم:"إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحتَ عن الله ورسوله"، وفي رواية أخرى للبخاري:"اهجهم -أو هاجهم - وجبريل معك".
المواهب تتكامل:
ثم رأى النبي صلى الله عليه وسلم ضرورة التكامل بين المواهب لنصرة الإسلام، فأمر حسان الشاعر أن يجلس مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه النسابة حتى لا يخلط الشاعر الأنساب في هجائه، فيصيب النبي صلى الله عليه وسلم ونسبه في شعره، فقال حسان:"والذي بعثك بالحق لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين".
أما المواهب والقدرات العنيفة والظريفة والماكرة فتعامل معها النبي صلى الله عليه وسلم بحكمة بالغة، ووظفها في المجال اللائق بها ولم يهدرها، ومن نماذج ذلك: الصحابي عمرو بن أمية الضمري رضي الله عنه الذي كان فتاكا في الجاهلية؛ فأصبح بعد إسلامه رجل المهام الخاصة والعمليات الخطرة، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم أرسله في سرية بمفرده، بل تعجب النبي صلى الله عليه وسلم من قدرته على النجاة من المواقف المهلكة، وأخبره أنه ما أرسله مع جماعة إلا قُتلوا وعاد هو إليه.
أما الصحابي نعيم بن مسعود الغطفاني رضي الله عنه الذي أسلم أثناء غزوة الخندق وفي ظروف عصيبة على المسلمين، والذي لا شك أنه كان يمتلك دهاء ومكرا قل نظيره، واستفاد النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الموهبة في شق التحالف بين اليهود ومشركي مكة، واقترب هذا الرجل بالدهاء من أن يكون جيشا؛ لأن توظيف الموهبة في مكانها الصحيح وتوقيتها المناسب قوة لا يستهان بها.